المقالات والسياسه والادب

لما العفو يبقى غريب — ليه بنبطل نسامح وإزاي نرجع نتصالح مع نفسنا

كتبت/ د/شيماء صبحي
في يوم من الأيام كنا بنؤمن إنّ العفو شرف، إنّ السماح مش ضعف، وإنّ اللي يقدر يسيب زعله ويكمل في حياته هو الأقوى. بس مع الوقت، ومع خبطة الخيبات والجرح اللي مابيبطلش، بنلاقي نفسنا بنتخنق من الكلمة دي — «اعفِ» — وبنخليها للكلام الضعيف، للكتب القديمة، أو لنصائح تافهة في آخر فيديوهات السوشيال ميديا.
ليه بنبطل نسامح؟ مشاتنا ليه؟ وازاي الموضوع ده بيخلّي المرارة تتجمع جوانا لحد ما تبقى سكنة يومية؟
أولًا: العفو اتشوّه في عيوننا
العفو اتربط عند ناس كتير بالتنازل عن حق أو بالغفلة عن الشر. لما حد يجرحنا ونقول «سامحته» الناس تشك: هو طيب ولا مستسلم؟ فبدال ما يبقى عمل جرئ وحرّي، بقى فعل مش واضح، مغطّى بالريبة. نضافه: الحرب، الخيانة، الخذلان، والجرائم الصغيرة اللي بنشوفها حوالينا خلّوا الكلمة ساهلة الاستخدام لكن تجاربها صعبة التطبيق.
تانيًا: الخوف من إنّ العفو يخلي الجرح يتكرر
لو سامحت دلوقتي، هل ده معناه إن اللي جرحني له الحق يرجع يعمل نفس الحاجة؟ الخوف دا حقيقي — العفو مش ورقة سحرية بتمنع الناس من تكرار الخطأ. ولما العفو يتفهم غلط، ممكن يتحول لكأننا بنبرر السلوك المسيء بدل ما نحطه في محله الصحيح.
ثالثًا: الإحباط من العواطف اللي بقت سوق للضحايا
كثير مننا بقى يشك إن السماح مجرد استعراض علني، ولازم نثبت للجمهور إننا اتأذّينا. بدل ما العفو يبقى قرار داخلي، بقى جزء من لعبة اجتماعية: «أنا أكبر منك، أنا سامحت» — وده بيخلّي الكلمة تفقد وزنها الحقيقي.
طيب، نعمل إيه؟ هل نرجع للعفو ولا نتركه على جنب؟ الحقيقة إنّ العفو ليه لبه الشافي لو اتعمل صح. لكن لازم نتعلمه، زي أي مهارة.
خطوة 1 — فرق بين العفو والتسامح من غير حدود
العفو الحقيقي مش معناه إنك تسمح للآخر يفضل يضرك. ده معناه إنك بتوقف سمّك جوه جسمك. السماح مؤقت، تقرر تحافظ على كرامتك، وتمنع الحقد من إنه يسرقك. لو محتاج تبعد عن الشخص ده، أبعد. السماح ممكن يحصل من غير رجوع للعلاقة القديمة.
خطوة 2 — اعترف بجرحك وحسّه
الناس بتحب تقنع نفسها إنها كويسة وتمام، لكن الجرح لو ماندفنش صح، هيفسد. اقعد مع نفسك، مالِّن، اكتب اللي حصل، احكي لصديقة أو لمختص. لو ماعندكش حد، اكتب رسالة للشخص اللي أذاك — وماتبعتهاش — دي وسيلة لترتيب المشاعر.
خطوة 3 — حط حدود واضحة
لما تسامح لإنّك بتحرر نفسك، لازم تحدد: إيه اللي مقبول بعد كده؟ العفو مش تذكرة دخول للعنف المتكرر. الحدود بتحميك وبتعلّم التاني إزاي يتعامل معاكي.
خطوة 4 — لو الألم كبير اطلب مساعدة مهنية
فيه جراح بتحتاج معالج أو مستشار. الكلام مع حد محترف بيساعدك تفهم سبب التعلق بالألم وبيدي أدوات للتصالح مع نفسك.
خطوة 5 — خلي العفو قرار شخصي مش عرض علني
مش لازم تصرّح قدام الناس إنك سامحت. العفو الحقيقي ممكن يكون سر بينك وبين ذاتك. لما يبقى داخلي، بقيمته الحقيقية ترجع.
قصّة قصيرة: لما «سامحت» كانت بداية
منى كانت صاحبة قلب كبير، ربنا أعطاها طيبة كبيرة، لكن في مرة جامدة، زوجها خانها. الدنيا اتكسرت، والأهل والدنيا كلها قالّوا لها: «ارميه برا، مينفعش ترجعي». منى فضلت فترة تبكي وتتحسس. في البداية فكرت في الانتقام، وبعدها قررت تشوف المعنى الحقيقي للعفو. بدأت تحكي لمختصة، رتبوا حدود جديدة في العلاقة، الزوج اعترف، واشتغل على نفسه. المهم مش إنّها رجعت لنفس الوضع اللي كان، لكن إنها قررت تعيد بناء حياتها من مكان أقوى. العفو هنا ماكانش تنازل، لكن كان وسيلة لتحرير نفسها من عبء الكره.

في النهاية: السماح مش عبادة للمسيئين، ولا طوق خلاص للجرح. السماح فنّ — محتاج شجاعة، حدود، وصدق مع النفس. لو حسّيت يوم إنك «تعبت» وماعرفتش تسامح، مافيش عيب في كده. المهم إنك ما تخليش المرارة تقعد في بطنك سنين. ابدأ بخطوات صغيرة: اعترف، اكتب، حط حد، واطلب دعم لو احتجت. العفو لما ييجي من مكان صحيح، مش هيمحو حقك ولا هينقص منك شيء — بالعكس، هيرجعلك جزء كبير من نفسك.

مقالات ذات صلة