وطن المليون و نصف مليون شهيد

وطن المليون و نصف مليون شهيد
بقلم: الأستاذ محمد بايزيد – الجزائر
كان المساء بارداً والريح تلامس نوافذ البيت العتيق بصوتٍ يشبه الهمس
جلس الطفل على حصيرٍ صغير قرب جدّته التي التحفت بعباءتها الصوفية وأمسكت مسبحتها بأناملٍ خطّ عليها العمر تجاعيده
رفع رأسه نحوها وقال بخجلٍ طفولي
جدّتي ما معنى الوطن
ابتسمت، ومسحت على شعره بيدٍ مرتجفة وقالت بهدوءٍ يشبه الصلاة
الوطن يا بنيّ ليس رسماً على الخريطة ولا كلماتٍ في الكتب الوطن هو القلب حين يخفق حبًّا، والدمعة حين تنزل فخرًا
سكتت قليلاً كأنها تنصت لصوتٍ يجيء من بعيد، ثم قالت
كنتُ في مثل عمرك يا صغيري حين اشتعلت الثورة في الأول من نوفمبر كانت الليلة ساكنةً إلا من خفق الريح والرجال يتحدثون همساً في زوايا القرية
كانت أمي تبكي بصمت وأبي يخبّئ بندقيته القديمة تحت عباءته ويقول
نموت لتعيشوا أحراراً
رحل مع الفجر ولم يعد
لكن صوته ظلّ يوقظنا كل صباحٍ يقول الحرية لا تُمنح بل تُنتزع
تنهدت ومسحت دمعةً سالت على وجنتها ثم تابعت
كنا نحمل الطعام للمجاهدين في الجبال نسير حفاة في الظلام نخشى أن نُشعل شمعةً فترانا الطائرات كنا نحلم بوطنٍ نرفع فيه الرأس لا نخاف فيه إلا من الله
اقترب الطفل منها أكثر وقد اتسعت عيناه دهشةً
وجدّتي ألم تخافي الموت
ابتسمت وهي تحدّق في لهب النار وقالت
لا يا بنيّ لم نخف الموت كنا نخاف أن يموت الوطن
ثم لمست وجهه بحنانٍ أمومي وقالت
تذكّر هذا دائمًا يا حفيدي الوطن لا يُورَّث كالأرض بل يُورَّث كالعقيدة إن فقدته فقدت نفسك
نظرت إلى السماء من النافذة القديمة وقالت بصوتٍ خافتٍ كأنها تخاطب الغائبين
سلامٌ على من رحلوا ليبقى الوطن وسلامٌ على الجزائر التي علّمتنا أن الحرية تُولد من رحم الألم
من الجزائر من أرضٍ سقتها دماء الشهداء تشرق الشمس كل صباح لتقول
“هنا وطنٌ لا يشيخ هنا الجزائر.”
بقلم: الأستاذ محمد بايزيد – الجزائر



