المقالات والسياسه والادب

ماتت في رحم المعاناة

ماتت في رحم المعاناة

بقلم: الأستاذ محمد بايزيد/الجزائر

 

تزوجت صغيرة لم تتجاوز عشرين ربيعًا وكانت الدنيا أمامها كصفحة بيضاء لكن القدر لم يرحمها بعد سنتين فقط دخلت حياتها امرأة أخرى ضرتها وفي ليلة ختان ابنها البكر جاءت الضربة الأولى لم يكن فرحًا ولم يكن احتفالًا بل ضرب مبرح فقط لأنها لم تبتسم كما يريدون منذ تلك اللحظة بدأ العذاب ليس طلاقًا ولا رحيلًا بل هجران كامل مادي ومعنوي جسدي وروحي

صغارها كانوا معها في كل لحظة يراقبون الدموع يسمعون الشتائم يشعرون بمرارة الحياة قبل أن يعرفها العالم كله كانت تنهض قبل الفجر تعد الطعام تنظف البيت وتكابد كل شيء لتبقيهم على قيد الحياة كانت تتنقل بين الأعمال وتبيع من تعبها وعرقها كي لا يجوع أطفالها كي لا يعرفوا شعور العجز

ليالي الشتاء كانت أقسى من نهارها لم يكن هناك تدفئة ولا حنان من أحد سوى قلبها الكبير كانت تسد الجوع بالخبز القليل وتحتضن بكاء الصغار بصمت، وتتنفس هي الدمع بدلًا عنهم

وكانت الضربات لا تأتي فقط من الحياة بل من الداخل أيضًا من الكلمات التي لم تفهمها من نظرات الأب القاسية من ضحكات من حولها التي لا تعنيها شيئًا. لكنها كانت صامدة تعلم أن أطفالها يعرفون قيمتها وأنهم يرونها ملاكًا في عالمٍ بلا رحمة

ورغم كل ذلك كانت لحظات السعادة الغامضة تتسلل إلى غرفتها الصغيرة ابتسامة طفلها لمسة صغيرة كلمة بسيطة كانت تكفي لتضيء قلبًا متعبًا لكن هذه السعادة لم يُفهَم سرها إلا بعد رحيلها

يومها، بكى من لم يبكِه شيء طوال حياته وأحد أبنائها الذي عاش كل الألم معها لم يملك لها صورة ليس لأن الصور غير موجودة بل لأن مجرد النظر إليها كان يكفي ليحطم كبرياءه فتنهمر دموعه كطفل صغير تائه يبحث عن أمه

وهو اليوم يعيش صراعًا داخليًا لم يعرف له قرارًا

هل يحقد على العالم الذي لم يُنصفها أم يحمل في صدره قلبها قلبها الذي يغفر ويسامح لا يعرف كل دمعة تهطل عليه تذكره بها وبعالمٍ لم يعرف الرحمة وبمرأةٍ علمته أن الغفران أعمق من الحقد، وأن الحب أقدر من كل ظلم

كانت تعلم أن الحياة لن تنتظرها، لكنها لم تنتظر شيئًا لنفسها. تحملت كل شيء بصمت، وكل لحظة ألم كانت صرخة صامتة ضد الظلم كانت تقف أمام الواقع وكأنها تحاول أن تزرع في قلوب صغارها شجاعة، رغم أن قلبها كان ينزف

كل يوم كان درسًا في البقاء وكل لحظة صبر كانت معركة، وكل دمعة كانت شهادة على الحب الذي لا يموت لكنها لم ترَ جزاءها ولم يعرف أحد قيمتها إلا بعد فوات الأوان

وفي النهاية لم تبقَ سوى قسوة الحياة وحزنها العميق ونداء صامت

رحلت المرأة وتركت خلفها صدى الألم الذي لن ينتهي وحياةً تعلمت أن تُحيا بلا قلب العالم بلا رحمة وبلا أحد.

مقالات ذات صلة