مَخْمَلُ الهَوَاجِسِ فِي قَفَصِ الأُنُوثَة

“مَخْمَلُ الهَوَاجِسِ فِي قَفَصِ الأُنُوثَة”*
بقلم الكاتبة إيمان نجار
*المرأة:*
مَا هَذَا الصَّدَى الَّذِي يُشَاكِلُ أَنْفَاسِي؟!
أَتُرَاهُ ظِلِّي يَتَخَلَّى؟ أَمْ صُوتِي يُقَايِضُنِي عَلَى أَسِرَّةِ الشَّكِّ؟
*ذاتها (بصوتٍ غائر):*
بَلْ أَنَا أَنْتِ… وَمَا أَنْتِ إِلَّا نُسْخَةٌ خَائِفَةٌ مِنِّي،
مُنْسَدِلَةٌ كَضَفِيرَةِ يَتِيمَةٍ عَلَى كَتِفِ اللَّيْلِ،
تَتَرَنَّحِينَ فِي مِرْجَلِ الصَّمْتِ، وَتُقَبِّلِينَ خَوْفَكِ كَأَنَّهُ قُدِّيسُكِ الأَوْحَدُ.
*المرأة:*
أَتَدْرِينَ؟
قَدْ كَانَتْ رُوحِي قَارُورَةً مِنْ زُجَاجٍ، يَسْكُنُهَا الرَّعْشُ،
وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ، تَتَقَافَزُ فِي جُمْجُمَتِي وُجُوهُ الرَّافِضِينَ،
يَشُدُّونَنِي مِنْ أَحْلَامِي كَأَنَّهُمْ جِلْدِي.
*ذاتها:*
تَحَدَّثِي، وَلَا تَتَخَفِّي خَلْفَ زُجَاجِ الضَّعْفِ المُهَذَّبِ.
كُونِي جُرْحًا نَابِضًا، لَا وَرْدَةً مُعَلَّبَةً فِي مَتْجَرِ الأَسَاوِي.
كُونِي جِنِّيَّةَ النَّارِ، لَا خَرِيفَةَ الوُرُودِ.
*المرأة (بصوت يرتجف، ثم يستعر):*
سَئِمْتُ صَمْتَ الحِكْمَةِ، وَأَقْفَاصَ الحَيَاءِ المُبَرْمَجِ،
مَا عَادَ فِي جَسَدِي فَصِيلَةٌ تَرْتَجِفُ لِرِجْفَةِ حَرْفٍ!
*ذاتها (بصوتٍ يتهامس من عتمات الذاكرة):*
لَا تَظُنِّي أَنَّ النُّهُوضَ هُوَ البَطُولَةُ،
فَكَمْ مِنْ أَحْلَامٍ نَهَضَتْ، وَتَعَثَّرَتْ فِي أَسْرَةِ العَاقِلِينَ!
كَمْ مِنْ صَرْخَةٍ بَاتَتْ وَهِيَ تُرَتِّلُ الأَمَانِي كَأَنَّهَا صَلَوَاتٌ لَا تُسْمَعُ.
*المرأة (وقد بدأَ الحنينُ يخدش الصلابة):*
هَلْ تَعْلَمِينَ؟
فِي جَوْفِي مِقْعَدٌ فَارِغٌ لِأُنْثَى لَمْ أَكُنْهَا،
تَجْلِسُ عَلَيْهِ ذِكْرَى، وَيَحْتَسِي حَنينُهَا مِنِّي، كَأَنَّنِي خَمْرَةُ المَاضِي.
أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ جَسَدِي مَقْبَرَةٌ، وَأَنَّ رُوحِي زَائِرٌ غَرِيبٌ… يَضِلُّ الطَّرِيقَ كُلَّ مَرَّةٍ.
*ذاتها (بجُرأةٍ ساخرة):*
وَفِيمَ العَجَب؟
أَلَمْ تَكُونِي أَنْتِ مَنْ غَطَّتِ الحُرُوفَ بِرِيشِ التَّجَمُّلِ؟
أَنْتِ مَنْ زَيَّنَتِ التَّشَقُّقَ بِأَسَاوِرِ القُوَّةِ الزَّائِفَةِ؟
هَذَا البَذَخُ فِي الإِنْكَارِ هُوَ مَا جَعَلَكِ جَامِدَةً كَتِمْثَالٍ تَكْفُرُ بِالنَّفْسِ وَتُبَجِّلُ القِشْرَ.
*المرأة (تنهض، يشتعل صوتها):*
بَلْ أَنَا فَصِيحَةُ الوَجْعِ، أَسْكُنُ اللُّغَةَ وَتَسْكُنُنِي،
أَنْقُشُ جُرْحِي عَلَى وَرَقِ العَصْرِ، وَأُرَتِّبُ أَلَمِي عَلَى أَبْجَدِيَّةٍ تَتَنَفَّسُ بِي.
سَأَصْعَدُ دَرَجَ المَجَازِ حَافِيَةً، وَأَجْلِسُ فِي صَدْرِ التَّشْبِيهِ كَمَلِكَةٍ تَسْتَحِقُّ الوَجْعَ كَتَاجٍ.
*المرأة (تلتفت إلى مرآةٍ قديمة):*
قُولِي لِي، يَا أَيَّتُهَا المِرْآةُ العَجُوزُ…
هَلْ فِي عَيْنِي نُدْبَةٌ؟ أَمْ أَنَّ الدَّمْعَ نَسِيَ أَنْ يُبْلِغَنِي أَنَّهُ مَاتَ؟
هَلْ هَذَا وَجْهِي؟ أَمْ قِنَاعٌ لِـ “أَنَا” لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُهَا؟
*ذاتها (تهمس ختامًا):*
كُلُّ مَا فِيكِ حَقِيقَةٌ بَلَغَتْ نُقْطَةَ الكَذِبِ،
فَارْفَعِي السِّتَارَةَ عَنْ أَلَمِكِ، لِتَرَيْ… أَنَّكِ لَسْتِ وَحِيدَةً،
بَلْ أَنْتِ عَالَمٌ مَذْبُوحٌ فِي صَدْرِ صَامِتٍ، يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
المرأة (بحدة مكسورة ):
سَأَكُونُ الغُصَّةَ الَّتِي لَا تَنْزَلُّ، وَالنَّغْمَةَ الَّتِي تَخْدِشُ السَّمْعَ.
سَأَكُونُنِي… وَيَكْفِي
*ذاتها (تضحك بسُخريَة لتستفزها):*
وَمَنْ يَسْمَحُ لِـ “أَنْتِ” أَنْ تَكُونِي؟!
هُنَاكَ مَجْلِسٌ مِنَ الوُجُوهِ، كُلُّهَا تُصَفِّقُ لِهَزِيمَتِكِ.
*المرأة (تصرخ):*
فَلْيَصْمُتُوا…
إِذَا مَتُّ، فَكُونُوا عَلى قَبْرِي وَاحِدًا وَاحِدًا،
أَقْرَأُ وُجُوهَكُمْ، وَأَبْصُقُهَا كَنَصٍّ مُمْزَّقٍ،
سَأُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ، بِكُلِّ شَرَخٍ، وَكُلِّ نُدْبَةٍ،
وَأَصْرُخُ: هٰذِهِ أَنَا… فَاسْمَعُونِي إِذَا بَقِيَ فِي السَّمْعِ مَوْقِعٌ
*— خِتَامٌ كَالصَّدْمَة —*
سَيُكْتَبُ يَوْمًا: “مَاتَتْ وَلَمْ تَقُلْ كُلَّ شَيْءٍ… لَكِنَّهَا كَانَتِ النَّصَّ الَّذِي أَوْجَعَ القُراءحَتَّى بَعْدَ الفَاصِلِ الأَخِيرِ.”



