أروقة الساسه في صدي الارتكاس واسبرطة جديدة تحمل ضجيج الفسوق

بقلم / محمد جابر كاتب صحفي
داخل الممر الاربعين
لم نعد نسأل من كذب بل أصبح السؤال من لم يكذب بعد تلك الكلمات كانت من رجل غلبت عليه طبائع العسكرية فحديثه لأصدقائه كان حادا أشبه بالصراخ في طريقنا إلى الممر الأربعين توقفت عند مقهى أغلب من يقبع بداخله ساسة ومثقفون كما أن موقعه فرض عليه ذلك تحيطه القنصليات من كل جهة وفي المقابل هيئة أمنية مشددة وهنا تعالت تلك الكلمات من أحد الأشاوس لم نعد نحمل أوراق الأمل بل نحمل شهادات الوفاة لمشاريع لم تولد أصلا لأفكار أجهضت قبل أن ترى النور لوطن تم اختطافه على يد محترفي الشعارات ومهندسي الفوضى
إن الرأي حول حقيقة ما حدث لا يتشكل من الشاشات بل من الأصوات المخنوقة من ضمائر انسحبت من الواجهة ومن عيون لم تعد تصدق حتى دموعها في كل ممر مررنا به تكررت الأسئلة لكن لم نجد الإجابة وفي هذا الممر بات الصمت جريمة حتمية والمجاملة خيانة عظمى والمشاركة بالتجاهل أسوأ من الفساد نفسه
هنا أحببت أن أكون حاضرا بين تلك الحاشية واحاورهم قائلا كانت الوجوه أقنعة أما الآن فالوجوه نفسها لم تعد تخجل من وجهها الحقيقي اختفت الأقنعة لأنها لم تعد ضرورية الكل مكشوف الكل مستعد للبيع الكل يزعم الوطنية وهو يعقد صفقاته مع الوهم
تساقطت ورقة التوت عن المسرح النيابي ولم يتبق سوى ممثلين هواة يصرخون ببلاغة مبتذلة فوق مقاعد بلا شرعية البرلمان لم يعد برلمانا بل أصبح مقهى يديره سماسرة السياسة ويتصدره محترفو الزيف ويوجهه أصحاب المصالح من خلف الكواليس
قاطعني أحدهم أقل ما أصفه به أنه رجل مخابراتي قائلا تحاكون الفلسفة وتزلفون الأحرف المنمقة ومكاتب الفصائل تستخدم كمقرات بديلة للقرار وتنسحب الدولة رويدا حتى أصبحت مجرد لافتة متهالكة فوق ممر مغلق فلم تعد مكاتبهم مجرد تمثيل سياسي لقضية بل تحولت إلى جبهات في صراع لا علاقة له بالمبادئ ملفات تدار من الخارج ومواقف تفصل على مقاسات التمويل وتحالفات تبنى على القرب من صاحب القرار لا من عدالة القضية
والنتيجة تضخمت هذه المكاتب حتى صارت أوطانا موازية تحكم وتفاوض وتنسق بينما المواطن العادي لا يجد من يفك طلاسم معاناته
هنا أدركت أنني لا محالة داخل ممر أدواته العقل والفكر والثقافة والمعلومات ولهذا وجب أن ألقي على مسامعهم حقيقة ما حملته الممرات فيما سبق في عجالة وذلك لأمانة تواجدي بينهم واستفتحت قائلا في كل ممر يخرج علينا من يريد بناء أسبرطة عربية جديدة لا فكر لا رؤية فقط سلاح وهتاف وراية لا تسقط إلا على رؤوسنا
هذه ليست مقاومة بل عسكرة للوعي ونسف لفكرة الدولة المليشيات تزدهر والنقاشات تموت السلاح يعلو والكلمة تكسر ومن يجرؤ على النقد يتهم بالخيانة ولا أحد بمنأى عن ذلك
لكن كما ماتت أسبرطة في التاريخ فإن كل مشروع يستند إلى العنف وحده محكوم عليه بالسقوط وكل ممر عنونت أدواته بالخداع والزيف إلى زوال
وقاطعني هذا يضع سيجارا ضخما في جانب فمه قائلا الحرب على قطر لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي كانت خنجرا صدئا يعكس نفاقا إقليميا عميقا فمن اتهمها بدعم الإرهاب هو نفسه من يستضيف الجماعات في فنادق فخمة ومن صرخ باسم السيادة باع سيادته في صفقات صامتة
قطر لم تكن النموذج المثالي لكنها كانت الشماعة المريحة التي علق عليها عجزهم وسوء نواياهم وفشل أنظمتهم
في هذه الحرب اندحرت مكتسبات السلام وتم دفن كل إمكانية لحوار عربي عقلاني لتحل محلها لغة الحصار والتخوين والتشهير
هنا في هذا الممر الوجوه القديمة ما زالت تعاد تدويرها بعبارات جديدة كأن الناس بلا ذاكرة تحمل ذاكرة السمك وكأن الدماء التي سالت ليست لبشر فبرغم أنها لم تجف بعد إلا أن مهاتراتهم فاقت توقعات إبليس
وهكذا صمت الجميع كأنهم فهموا أخيرا أن الخيانة ليست فقط من المرشحين بل من المتفرجين من الصامتين من المصافحين من المصوتين للفراغ من المصفقين للجريمة
تعالت أصواتهم وتداخلت ولم أستطع أن أحدد من يقول ماذا كأنها منازلة استخلصت منها أنه لا أعذار بعد الآن لا جهل يغفر ولا غياب يبرر ولا خوف يفهم الممر الأربعون ليس محطة عبور بل مفترق وجود فإما أن نصنع الحلم أو نموت في حضن الكوابيس إما أن نختار الحقيقة أو نستمر في الدوران داخل حلقات الزيف
فالوطن لم يعد يتحمل صمتنا والتاريخ لا يرحم الشعوب التي خافت أن تواجه ضعفها
تلك الممرات محطات اختبار فشلنا أم نجحنا لا يعني شيئا لكن الممر الأربعون فرصة للبقاء بشرف أو الانسحاب بندم فمن لم يتعلم من ارتزاق التاسع والثلاثين سيباع في سوق الأربعين بلا مقابل ونتقابل حينها في الممر الواحد وأربعين


