المقالات والسياسه والادب

ويبقي الوعي بوابة العبور في الممر الثالث والخمسين

محمد جابر

 

 

 

اقف على عتبة الممر الثالث والخمسين ولم أكن أحمل شيئا سوى سؤال يصارع عقلي ويرهق أعصابي ويتوغل إلى مدارك إحساسي سألت نفسي هل نحن من عبروا فعلا ومع من عبرنا نحو الوعي وهل نستحق أن نحسب على قوائم المثقفين وهل القوائم الموجودة فعلا للمثقفين ردت نفسي كأنك لم تعش ما بعد العبور تلك الإجابة أدمعت قلبي وصوت ينادي يا هذا

نظرت حولي فلم أجد من ينادي فقط وجدت أعلاما ملوحة ولا أغان تتصاعد من مكبرات الصوت وسقفا منخفضا ونورا خافتا ورفوفا مزدحمة همست لنفسي هنا لا تباع البطولة في علبة تذكارات قالت هنا يعرض التاريخ بلا مؤثرات سألتها هل ما زال الناس يبحثون عن العبور إلى الوعي أم أن بقاؤهم في اللاوعي يستهويهم وصوت صرصور الحقل يلاحقني كأنه يعزف لحن اللامبالاة في قلوبهم

واصلت سيري داخل الممر خطوتي مسرعة وصوت أقدامي على الأرض يشبه صفحة تتقلب في دفتر رحلة مليئة بأشخاص تلومني نفسي دوما لو تذكرتهم سألت نفسي أين ذهب الذين كانوا هنا وأين ذهب من كان يستحق أن يبقى هنا ردت نفسي بعضهم مات وبعضهم نسي وبعضهم نأى بنفسه عن هذا واستحسن أن يعيش في الصور دون أن يروى قلت ألم يكن من بينهم من صنع الكثير ورفض أن يوقع على ورقة ظهوره في عرض البهلوانات قالت هؤلاء لا مكان لهم في السيناريوهات المعدة مسبقا وأسكرهم دم يجري في عروقهم لا في الألحان

جلست على كرسي في مقهى بجوار باب قديم أغمضت عيني سألت لماذا فقدنا البصيرة قالت لأننا استبدلنا الوعي بالشعارات واستبدلنا العقل بالتصفيق قلت وهل كنا جزءا من الحكاية قالت انسحابكم من الفصل الأول وترككم للفصول التالية تكتبها مرتزقة ومرتادو أسواق النخاسة فماذا تنتظر من نهاية كتبها من لا يعرف بدايتها

هنا تجادلت معها كثيرا ووقفت حائرا بينها وبين سؤال يقتلني شعرت أن كل ما مر بي من صور وأصوات لم يكن كافيا لأفهم شعرت أن الحقيقة تبتعد كلما ظننت أنني اقتربت منها وأن المعنى يختبئ كلما رفعت صوتي بحثا عنه وعندما أقترب من بعضهم أجد حقيقتهم نفاقا وخداعا وخواء وفراغا بمعناه الشامل

مشيت في الممر الذي كان يضيق شيئا فشيئا ولكنه يضيء في نهايته دون ضجيج ولا حشود فقط نور خافت يسألني من أنت وإلى أين تمضي وماذا تريد أن ترى وهل يكفيك أن تنظر أم أنك أخيرا تنوي أن تبصر

وقفت أمام الخطوات الأخيرة في الممر الثالث والخمسين لم أجد سوى صمت وسؤال وجدت اسما محفورا بحروف باهتة وجدت من كانوا هنا ولم نرهم وجدت أكتوبر لا شاشة عرض ولا أناشيد وطنية بل وجوها صامتة وقلوبا مؤمنة وأقداما عبرت الطين والنار لتكتب لنا بداية جديدة فما علي غير قراءة الفاتحة والدعاء لهم

سألتهم من جديد هل عبرنا فعلا قالوا نعم عبرنا لكنكم لم تحفظوا الدرس وتركتم الوعي يتسرب منكم قطرة تلو الأخرى حتى وجدتم أنفسكم تصفقون لمن لا يعرفون شيئا عن المعركة ويزينونها بأضواء لا تصل إلى جوهرها

ولأن الممر لا ينتهي عند باب أو ذكرى بل يمتد فينا كقلب لا ينكسر .فقد فهمت أن العبور لم يكن معركة نخوضها بالسلاح فقط بل كان وعيا نعيد به تعريف المعركة كل يوم فقلت في نفسي يا من وقفت مثلي على العتبة لا تسأل فقط من عبر بل اسأل نفسك إلى أين تعبر أنت الآن واعلم أن الأبطال لا يموتون حين تنتهي الحروب بل حين ينسى الدرس وتطفأ نار الوعي

فهل أنت مستعد لعبور جديد أم أنك ما زلت تكتفي بالنظر من خارج ممرات يجب عبورها فإلي الممر الرابع والخمسين

مقالات ذات صلة