المقالات والسياسه والادب
أين زمن الفن الهادف بقلم محمود جاب الله

أين زمن الفن الهادف
في يوم من الأيام، كان الفن رسالة. كان الأغنية تُحفظ عن ظهر قلب لأنها تحمل معنى، وكان الفيلم يُناقش في البيوت والمدارس لأنها يطرح قضية، وكانت المسرحية تخرج منها وأنت تشعر أنك أصبحت إنسانا أفضل مما دخلت. كان الفن يُربي قبل أن يُسلي، ويُعلم قبل أن يُضحك، ويُبكيك لأنه لمس قلبك، لا لأنه صدمك.
أين ذهب هذا الزمن؟
اليوم، أصبح الفن في كثير منه ضجيجا بلا معنى. أغنيات تُكتب في ساعة وتُنسى بعد ساعة. أفلام تُصنع من أجل شباك التذاكر فقط، لا من أجل أن تبقى في ذاكرة الناس. ومسلسلات تُطارد الترند، لا القيمة. صار النجاح يُقاس بعدد المشاهدات، لا بعدد القلوب التي تغيرت. وصارت الشهرة تُصنع بالصراخ، لا بالموهبة.
لقد كان عبد الحليم حافظ عندما يغني، يغني للوطن وللحب وللكرامة. وكانت أم كلثوم عندما تقف على المسرح، تقف كأنها تلقي درسا في اللغة والشعر والذوق. وكان عبد الوهاب يعتبر اللحن مسؤولية. وكان فاتن حمامة وعمر الشريف وسعاد حسني يقدمون أفلاما نراها اليوم، بعد خمسين عاما، وكأنها صُنعت بالأمس، لأنها كانت صادقة.
أما اليوم، فقد تراجع الفن الهادف، وتقدم الفن السريع. فن اللحظة. فن يريد أن يضحكك الآن، دون أن يترك فيك شيئا بعد الآن. فن يخاف من العمق، ويهرب من الفكرة، ويظن أن الجمهور لا يريد إلا التسالي الخفيفة.
وهذا ظلم كبير للجمهور المصري. فالجمهور الذي أحب “أرض النفاق” و”الزوجة 18″ و”بين القصرين” و”ليالي الحلمية” و”رأفت الهجان”، جمهور ذواق، ويعرف الفرق بين الفن الحقيقي والفن المزيف. جمهور يستطيع أن يرفع فنانا إلى السماء، ويستطيع أن يسقطه في يوم واحد، حين يشعر أنه يستهين بعقله.
إن الأزمة ليست في غياب المواهب. مصر لا تزال ولادة. في كل حي، هناك صوت جميل، وقلم صادق، وممثل موهوب. الأزمة في غياب الإيمان بالفن الهادف. في أن المنتج أصبح يخاف أن يغامر بعمل جاد، وفي أن القنوات تفضل السهل السريع، وفي أن بعض الفنانين أنفسهم استسهلوا الطريق، فاختاروا أن يكونوا مشهورين، بدلا من أن يكونوا عظماء.
والفن الهادف لا يعني الفن الممل. لا يعني الوعظ ولا الخطابة. الفن الهادف هو الذي يجعلك تضحك وتفكر في نفس الوقت. الذي يجعلك تبكي وتتعلم في نفس الوقت. الذي يمسك المرآة أمام المجتمع، دون أن يكسرها في وجهه.
لقد كان نجيب الريحاني يضحكنا، لكنه كان يجعلنا نفكر في الفقر والظلم. وكان عادل إمام يضحكنا، لكنه كان يفتح ملفات الفساد والبيروقراطية. وكان أحمد زكي يبكينا، لكنه كان يعلمنا معنى الوطنية. هذا هو الفن الهادف: أن تصل رسالتك دون أن تشعر أن أحدا يلقنك درسا.
نحن لا نطلب العودة إلى الماضي. الماضي لا يعود. لكننا نطلب أن يعود الاحترام إلى الفن. أن تعود الكلمة النظيفة، واللحن الأصيل، والصورة الجميلة. أن يعود الفنان الذي يشعر أن له دورا في بناء وطنه، لا في هدم ذوقه.
أين زمن الفن الهادف؟ هو لم يمت. هو موجود، لكنه ينتظر من يؤمن به، ويدافع عنه، ويقدمه للناس. وسيعود، حين يدرك صناع الفن أن الجمهور لا يحتاج إلى من يضحكه فقط، بل إلى من يحترمه.



