إِلَى اللَّهِ
بَيْنَ زِحَامِ الْمَوَارِيثِ، وَتَرَاكُمِ الطُّقُوسِ !
يَعِيشُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عِبْءَ الدِّينِ لَا نُورَ الدِّينِ !
فَيَحْمِلُونَهُ كَمَا يُحْمَلُ الْإِرْثُ ، لَا كَمَا يُعَاشُ الْإِيمَانُ.
يُؤْمِنُونَ لَا عَنْ يَقِينٍ حَيٍّ ، بَلْ عَنْ وِرَاثَةٍ جَامِدَةٍ، فَيُرَدِّدُونَ: “إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ!”
وَلَكِنْ، هَلْ يَكُونُ الْإِيمَانُ حَقِيقِيًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ نَابِعًا مِنْ وَعْيٍ صَادِقٍ، وَمِنْ قَلْبٍ تَحَرَّرَ مِنْ ثِقْلِ الْعَادَاتِ؟
إِنَّ مَنْ يَحْمِلُ دِينَهُ كَحُمُولَةِ تَقَالِيدَ، يَكْتَفِي بِالْقُشُورِ وَيُضَيِّعُ الْجَوْهَرَ،
فَالْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَحْتَاجُ وَسِيطًا، وَلَا مَوْرُوثًا مُقَدَّسًا فَوْقَ وَحْيِ اللَّهِ الْمُبَاشِرِ لِلْإِنْسَانِ.
اللَّهُ لَيْسَ فِكْرَةً فِي الْكُتُبِ فَقَطْ ، وَلَا صَنَمًا ذِهْنِيًّا يُعْبَدُ بِالتِّكْرَارِ ، بَلْ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي نَفَخَ فِينَا مِنْ رُوحِهِ ، وَ هُوَ مَنْ قَالَ: “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”.
وَ هَذَا الْقُرْبُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا سَكَتَتِ الْأَصْوَاتُ، وَسُكِّتَ الضَّجِيجُ، وَانْفَرَدَ الْعَقْلُ بِاللَّهِ، فَيَبْحَثُ عَنْهُ بِلَا وِسَاطَةٍ، وَلَا مِيرَاثٍ يُعْمِي، وَلَا تَقْلِيدٍ يَصُمُّ.
فَالتَّحَرُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحُجُبِ لَا يَعْنِي إِنْكَارَ الدِّينِ، بَلْ يَعْنِي الرُّجُوعَ إِلَى أَصْلِهِ النَّقِيِّ، إِلَى الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، إِلَى النُّورِ الَّذِي يَهْدِي الْقَلْبَ لَا الْجُدْرَانَ، إِلَى اللَّهِ الَّذِي لَا يُحَاصَرُ فِي طُقُوسٍ، وَلَا يُشْتَرَى فِي كَلِمَاتٍ مَوْرُوثَةٍ.
فَإِذَا أَرَدْتَ اللَّهَ، فَابْدَأْ بِتَحْرِيرِ عَقْلِكَ مِنْ كُلِّ مَا عَلِقَ بِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ.
دَعِ التَّقْلِيدَ جَانِبًا، وَدَعِ التَّارِيخَ يَهْدَأْ، وَأَصْغِ لِصَوْتِ الْفِطْرَةِ، فَفِيهَا صِدْقُ الْوُصُولِ ، وَصِدْقُ النَّجَاةِ.
وَهَذِهِ دَعْوَةٌ لِلتَّفَكُّرِ الْحُرِّ