المقالات والسياسه والادب

اساتذة الجامعات بين ضيق العيش واتساع الرسالة 

كتب: محمود جاب الله

اساتذة الجامعات بين ضيق العيش واتساع الرسالة 

محنة عقول الأمة لا تُقاس بالأرقام في الميزانية، بل تُقاس بما يحدث داخل قاعات الدرس ومعامل البحث. فالأستاذ الجامعي اليوم يقف في منتصف طريقين لا يلتقيان: طريق خفض الرواتب وتآكل الدخل، وطريق رسالة العلم التي لا تقبل أنصاف الحلول.
عندما ارتفعت الأسعار ولم ترتفع الرواتب بنفس الوتيرة، وجد الأستاذ نفسه يحسب كل شهر كيف يوازن بين مصروفات البيت وبين ثمن الكتب والدوريات العلمية والإنترنت الذي يحتاجه للبحث. لم يعد البحث ترفاً فكرياً، بل صار عبئاً إضافياً لا يملك له وقتاً ولا مالاً. ومن هنا بدأ النزيف الصامت. نزيف العقول التي هاجرت بحثاً عن تقدير مادي ومعنوي، ونزيف الوقت الذي ضاع في وظائف ثانية وثالثة لسد الفجوة، فلم يبق للأستاذ ما يكفيه ليقرأ أو يكتب أو يشرف على رسالة ماجستير ببال مرتاح.
البعض يقول إن التعليم رسالة، وإن على الأستاذ أن يتجرد. وهذا صحيح، فالتجرد موجود بالفعل في كل محاضرة تُلقى بضمير، وفي كل طالب يُتابع بعد التخرج، وفي كل ورقة علمية تُكتب في وقت متأخر من الليل. لكن الرسالة وحدها لا تُطعم بيتاً ولا تعالج مريضاً ولا تدفع فاتورة. الأوطان التي نهضت لم تطلب من علمائها أن يجوعوا من أجلها، بل وفرت لهم ما يعينهم على أداء الأمانة.
خفض راتب الأستاذ ليس خصماً من بند في الموازنة، إنه خصم مباشر من مستقبل الطالب ومن ترتيب الجامعة ومن قدرة البلد على المنافسة. فحين يضعف دخل الأستاذ يضعف البحث، وحين يضعف البحث تتخرج أجيال تحفظ ولا تفهم، وحين يتخرجون هكذا يبدأ الانحدار في كل القطاعات: في المستشفى وفي المصنع وفي المدرسة.
الحل لا يحتاج معجزات، بل يحتاج قراراً واضحاً بأن الاستثمار في الأستاذ هو استثمار في الأمة كلها. حماية الدخل بما يواكب الغلاء، وتوفير منح بحث حقيقية، وتخفيف الأعباء الإدارية عن المتميزين، وإعطاء الجامعة استقلاليتها. بهذا فقط يمكن أن تعود قاعاتنا أماكن للإبداع لا أماكن للصبر.

في النهاية، الأمم لا تبنى بالأسمنت فقط. تبنى بعقل يفكر ويد تُعلم وضمير يُربي. وإذا أردنا أن نحافظ على عقول أمتنا، فعلينا أن نختار بين أمرين لا ثالث لهما: أن ندفع ثمن العلم اليوم، أو ندفع ثمن الجهل غداً. وثمن الجهل دائماً أكبر.

مقالات ذات صلة