الألم جزءٌ من القوّة..بقلم: مستشار محمود السنكري

الألم جزءٌ من القوّة
بقلم: مستشار محمود السنكري
في زوايا الحياةِ المظلمة حيث تنهار الأمنياتُ على قارعة الخذلان ويضيقُ الأفقُ حتى يكادُ يبتلع الروحَ اختناقًا… يولد الألم.
ليس الألم ضعفًا كما يتوهمُ العابرون في سُهول السطحية بل هو اختبارٌ سريٌّ تُختَبر به الأرواح العظيمة وامتحانٌ لا يُكرَّم فيه إلّا من عبره واقفًا مهما انحنتْ فيه الأيامُ على ظهره ومهما خذله الضوء.
في الألم شيءٌ يشبه النار يحرقك ليطهّرك وشيءٌ يشبه الماء يغسلك من أوهامٍ قديمةٍ كنتَ تظنّها يقينًا.
هو الضدّ الذي يُعيد ترتيب الإنسان داخله، يبعثره ليُعيد بناءه على أساسٍ أقوى، على صورةٍ أكثر نُضجًا وأكثر صمتًا، وأكثر فهمًا لمعنى الحياة.
في لحظات الانكسار يتهيّأ لنا أنّنا نُكسر والحقيقة أنّنا نُصقل فالحديد لا يشتدّ إلا بالنار ولا يُصاغ الذهب إلا في اللهب وكذلك الأرواح النبيلة لا تشتدّ إلا بالألم.
من لم يذق الألم لا يُجيد فهمَ العطاء ولا يُحسنُ الإنصات لصرخات الآخرين ولا يُقدّر النعمة حين تأتي، إنّه لا يملك من الرؤية إلا ظاهرها ولا من الرحمة إلا كلماتٍ جوفاء لا تعني شيئًا حين يُطرق باب الحقيقة.
لذلك نقول: الألم جزءٌ من القوّة لا يُنقصها بل يُتمّمها وهو الدافع الخفيّ الذي يجعلنا نواصل حين ينهار كلُّ شيء وهو الذاكرة التي تُخبرنا أنّنا قادرون على النهوض لأنّنا نهضنا من قبل، وأنّ القلب الذي نجا من عواصف الأمس لا يخاف مطرَ اليوم.
قد لا نختار الألم لكنه إذا حلّ فعلينا أن نختار ماذا يصنع فينا: هل يحطّمنا؟ أم يصنع منّا بشرًا أصدق وأرقى وأكثر صلابة؟
في أعماق كلّ إنسانٍ نجا من ألمٍ عظيم تكمن طاقةٌ لا تُرى، تُشبه الجذورَ العميقة التي تُمسك بالشجرة أثناء العاصفة تُبقيها واقفة لا لأنّها لم تهتزّ بل لأنّها تعلّمت كيف تقف رغم كلّ شيء.
فلنحترم الألم لا كعقوبة بل كمرحلةٍ من مراحل التكوين نخرج منها… ونحن أكثر شبهًا بأنفسنا.
ومن عَبروا الألمَ بكرامة يعرفون أنّ الصمتَ في لحظة الوجع أبلغ من ألف صرخة وأنّ الانحناء لا يعني الهزيمة بل هو استراحةُ المحاربِ قبل أن ينهضَ أقوى.
هم وحدهم الذين يُدركون أنّ الندوبَ على الروح ليست عيوبًا تُخفى بل أوسمةٌ تروي حكايات النهوض بعد السقوط وتُعلن أن صاحبها لم يكن يومًا هشًّا بل كان إنسانًا صلبًا رقّت مشاعره دون أن تنكسر إرادته.
في مسيرة الحياة لا يُقاس الإنسان بما يملكه بل بما تحمّله وبما صَبر عليه وبما علّمه الألم حين صار المعلم الوحيد، فكم من قلبٍ خرج من العتمةِ وهو يُضيء؟ وكم من عقلٍ صار حكيمًا لا لأنّه قرأ كثيرًا بل لأنّه تألّم بعمقٍ وتعلّم بصمت؟
وفي النهاية أقول.. أنّ الألمَ ليس نهاية بل بداية جديدة، بدايةُ من فهم نفسه أكثر وآمن بأنّ في داخله نبعًا من الثبات لا يجف ومهما هبّت العواصف يظلّ واقفًا لا لأنّ الريح رحمتْه بل لأنّه تعلّم أن يثبتَ في وجهها.
فامضِ يا من ذُقتَ الألم وارفَع رأسك فإنّ في كلّ دمعةٍ نضج وفي كلّ وجعٍ نهوض وفي كلّ خيبةٍ درسٌ لا يُنسى… والألم سيظلّ جزءًا أصيلًا من القوّة لا يراها إلا من نظر بقلبٍ نجا.



