خلف أقنعة الصعود : صرخة في وجه النفاق الاجتماعي

خلف أقنعة الصعود : صرخة في وجه النفاق الاجتماعي
بقلم: د. ذكاء رشيد
في غمرة السباق المحموم نحو القمة تحول المجتمع في كثير من مفاصله إلى مسرح كبير يتقن فيه البعض فن التمثيل الاجتماعي لقد استُبدلت النزاهة بالوصولية والصدق باللباقة المصطنعة، حتى أصبح النفاق الاجتماعي الذي يُغلف بمسمى المجاملات جواز مرور متاحاً لكل من أراد الصعود كالصاروخ دون أن يمتلك وقود الكفاءة.
سيكولوجية السقوط نحو القمة
إن أخطر ما يواجه منظومتنا القيمية اليوم هو قاعدة الغاية تبرر الوسيلة لقد بات الانبطاح للوصول إلى المبتغى مهارة يتبجح بها البعض متناسين أن أي نجاح يُبنى على أنقاض الكرامة هو نجاح هش لا تتجاوز لذته نشوة ساعات زائلة. إن “الانتهازي يظن أنه يتسلق، لكنه في الحقيقة يهوي في منحدر الأخلاق خاسراً أهم ما يملك: احترامه لذاته.
ولا يغيب عن هذا المشهد ظاهرة النساء المتصابيات اللواتي يرفضن التصالح مع الزمن، مستغلات في كثير من الأحيان عقد النقص لدى الرجال لتحقيق مآرب شخصية. إنها علاقة قائمة على التزييف، حيث يُستبدل الجوهر الإنساني بـ صفقة معنوية تعكس في عمقها انهياراً قيمياً وغياباً للوازع الديني والتربوي.
النجاح بنكهة النزاهة
وسط هذا الضجيج يبرز تساؤل جوهري: هل النجاح الذي لا يرتوي من عرق الجد ولا يستند إلى عمود الفقري من المبادئ يستحق كل هذا العناء؟
إن النجاح المشروع له لذة لا يدركها المتملقون فهو نجاح يمنح صاحبه السكينة والوقار. أما من يختار الانبطاح للوصول، فهو يظل دائماً أسيراً لمن يجاملهم يرتجف خوفاً من سقوط القناع، ويبحث عن تصفيق الآخرين ليرمم به فقره الداخلي.إن المصداقية هي العملة الوحيدة التي تشتري الاحترام الحقيقي وهو ما لا يمكن لمقالات النفاق أو تنميق الخواطر أن تمنحه لصاحبها.
…
العودة إلى الذات
إن استعادة هيبة الأخلاق لا تأتي بقرارات فوقية بل تبدأ من اللبنة الأولى: الإصلاح الفردي.
من البيت: حيث تُغرس قيمة الاستحقاق بدلاً من المحاباة.
من المدرسة: حيث يُعلم الجيل أن الوصول للقمة دون كرامة هو هزيمة أخلاقية.
من النفس: بقرار شجاع بأن أكون أنا راضية بما قسم الله، طموحة بالقدر الذي لا يكسر المبادئ، ومكتفية بنزاهتي عن الحاجة لتصفيق لا يسمن ولا يغني من جوع.
إن من ينظر إلى الاستقامة بعين الضعف هو في الحقيقة يعترف بضعفه أمام المغريات أما صاحب المبدأ، فهو يعلم يقيناً أن “غير المواكب” لتيار النفاق هو الوحيد الذي يملك بوصلته الخاصة، وهو الوحيد الذي يستطيع الوقوف أمام المرآة ليلاً بضمير حي، بعيداً عن أشباح الأقنعة.
كلمة أخيرة
إن الكلمة الصادقة التي نكتبها اليوم ليست مجرد حبر على ورق، بل هي صرخة في وجه التزييف. نحن لا نحتاج إلى الوصول بـ الانبطاح بل نحتاج إلى السير بـ استعلاء النبلاء فالقمة التي تتطلب التنازل عن القيم ليست قمة، بل هي هوة سحيقة، والنجاح الذي لا يترك في النفس طعم الرضا هو مجرد عبودية مقنعة.
ليكن شعارنا:
(أصلح نفسك، يَصلُح حال أهلك، وتستقم الحياة)


