الإِسْلَامُ سُلُوكٌ وَلَيْسَ شِعَارًا بِقَلَمِ الباحثة فَاطِمَة اسْكِيفْ

فِي خِضَمِّ مَا يَشْهَدُهُ الْعَالَمُ مِنْ صِرَاعَاتٍ فِكْرِيَّةٍ وَتَبَايُنَاتٍ دِينِيَّةٍ، نُدْرِكُ أَنَّ الإِسْلَامَ سُلُوكٌ وَلَيْسَ شِعَارًا، فَتَبْرُزُ الْحَاجَةُ إِلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْمَفَاهِيمِ بِمَا يَنْسَجِمُ مَعَ جَوْهَرِ الإِنْسَانِ لَا مَظْهَرِهِ، وَمَعَ السُّلُوكِ لَا الشِّعَارَاتِ.
مِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، نُعِيدُ تَأَمُّلَ الْمَعْنَى الْعَمِيقِ لِلْمُسْلِمِ، لَيْسَ بِوَصْفِهِ فَقَطْ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ بِالِاسْمِ، بَلْ بِوَصْفِهِ إِنْسَانًا يَتَحَلَّى بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الْقِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي تُشَكِّلُ جَوْهَرَ الرِّسَالَةِ الإِسْلَامِيَّةِ: الرَّحْمَةُ، وَالْعَدْلُ، وَالصِّدْقُ، وَالإِحْسَانُ.
فَالْإِسْلَامُ، فِي أَصْلِهِ، لَيْسَ طُقُوسًا جَامِدَةً وَلَا مُصْطَلَحَاتٍ مَحْفُوظَةً، بَلْ مَشْرُوعٌ أَخْلَاقِيٌّ وَسُلُوكِيٌّ مُتَكَامِلٌ.
وَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ جَوْهَرَ الدِّينِ هُوَ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالنِّيَّةَ الْخَالِصَةَ هُمَا مِعْيَارُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ.
فَالْمُسْلِمُ الْحَقِيقِيُّ، إِذًا، هُوَ مَنْ يَعِيشُ هَذِهِ الْقِيَمَ وَيُجَسِّدُهَا فِي سُلُوكِيَّاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، أَيًّا كَانَ مُعْتَقَدُهُ أَوِ انْتِمَاؤُهُ الثَّقَافِيُّ. فَالدِّينُ فِي حَقِيقَتِهِ مُعَامَلَةٌ، وَالإِسْلَامُ لَا يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِمَظْهَرٍ، بَلْ يَتَجَلَّى فِي أَثَرٍ طَيِّبٍ يَتْرُكُهُ الإِنْسَانُ فِي حَيَاةِ الْآخَرِينَ.
وَفِي زَمَنٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الْأَحْكَامُ وَتُرْسَمُ فِيهِ الصُّوَرُ النَّمَطِيَّةُ، مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نُعِيدَ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَايِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ.
فَكُلُّ إِنْسَانٍ طَيِّبٍ، مُخْلِصٍ، نَافِعٍ لِغَيْرِهِ، مُنْصِفٍ فِي حُكْمِهِ، رَحِيمٍ فِي مُعَامَلَاتِهِ، هُوَ أَقْرَبُ إِلَى حَقِيقَةِ الإِسْلَامِ مِنْ كَثِيرِينَ يَرْفَعُونَ شِعَارَهُ وَلَا يُطَبِّقُونَ تَعَالِيمَهُ.
فَالْمُسْلِمُ، وَفْقَ هَذَا الْفَهْمِ، لَيْسَ صِفَةً حَصْرِيَّةً لِمَنْ يَعْتَنِقُ دِينًا مُعَيَّنًا، بَلْ هُوَ تَوْصِيفٌ سُلُوكِيٌّ لِمَنْ يَحْيَا بِقِيَمِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالْجَمَالِ.
لَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِنُدْرِكَ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُقَاسُ بِمَا يُقَالُ، بَلْ بِمَا يُفْعَلُ، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يُبْنَى بِكَثْرَةِ الْعَنَاوِينِ الدِّينِيَّةِ، بَلْ بِحُضُورِ الْقِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
فَاللهُ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى الأَسْمَاءِ وَالْمَلَامِحِ، بَلْ إِلَى الْقُلُوبِ وَالأَعْمَالِ: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ”.
خِتَامًا، فَإِنَّ مِنْ وَاجِبِنَا كَأَفْرَادٍ وَمُجْتَمَعَاتٍ أَنْ نُعْلِيَ مِنْ شَأْنِ الْقِيَمِ، وَأَنْ نُسْهِمَ فِي نَشْرِ الْوَعْيِ : بِأَنَّ الْإِسْلَامَ الْحَقِيقِي لَا يُخْتَزَلُ فِي الْمَظْهَرِ، بَلْ يَتَجَلَّى فِي الأَثَرِ.
وَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ طَيِّبٍ، أَيًّا كَانَ مُعْتَقَدُهُ، هُوَ شَرِيكٌ فِي صِنَاعَةِ عَالَمٍ أَفْضَلَ.



