المقالات والسياسه والادب

الانتماء ليس كلاماً

الانتماء ليس كلاماً

كتب: محمود جاب الله 

 

في كل مناسبة وطنية نرفع الأعلام ونهتف للوطن ونردد عبارات الحب والفداء. لا بأس في ذلك، فالكلمة الطيبة صدقة والمشاعر الصادقة وقود. لكننا نحتاج اليوم أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا سؤالاً مباشراً: هل يكفي أن نحب الوطن بالكلام؟

 

الانتماء في جوهره ليس شعاراً نعلقه على الحائط ولا منشوراً نكتبه على صفحات التواصل. الانتماء سلوك يومي متكرر، وامتحان صغير نجتازه كل صباح. هو أن يحافظ الطالب على مدرسته كما يحافظ على غرفته، وأن يؤدي المعلم واجبه بضمير كأنه يبني مستقبل أبنائه، وأن ينجز الموظف عمله بإتقان لأنه يعلم أن كل ورقة يوقعها تمس حياة مواطن. الانتماء أن نلتزم بالقانون لا خوفاً من العقاب، بل احتراماً لنظام يحمينا جميعاً. أن نرمي القمامة في مكانها، وأن نحترم الطابور، وأن ندفع ما علينا من ضرائب لأننا نعلم أنها تعود إلينا في صورة طريق ومستشفى ومدرسة.

 

الأوطان لا تبنى بالتمنيات ولا ترتقي بالدعوات وحدها. تبنى بسواعد أبنائها. يبنيها المهندس الذي يراجع حساباته مرة بعد مرة حتى لا يسقط مبنى، والطبيب الذي يسهر لينقذ مريضاً، والعامل الذي يتقن صنعته، والجندي الذي يقف على الحدود ليبقى الوطن آمناً. هؤلاء جميعاً لم يكتفوا بقول “نحب مصر” بل ترجموا هذا الحب إلى عرق وجهد ووقت.

 

والانتماء يظهر بوضوح وقت الشدة. يظهر في أن نرفض الشائعة ولا نروج لها، وأن ندافع عن سمعة وطننا في الخارج كما ندافع عن سمعة بيتنا. يظهر في أن نفرح لنجاح ابن الوطن في أي مجال كأنه نجاح شخصي لنا، وأن نتألم لأزمته ونسارع للمساعدة. الاختلاف في الرأي حق مشروع، والنقد من أجل الإصلاح واجب، ولكن الفارق بين النقد البناء والهدم أن الأول يبدأ من حرص والثاني ينتهي بتشفي.

 

إننا مطالبون اليوم بأن نغرس هذا المعنى في نفوس أبنائنا. أن نعلمهم أن التفوق الدراسي انتماء، وأن الأمانة في العمل انتماء، وأن احترام الكبير والعطف على الصغير انتماء. أن نقول لهم: لا يكفي أن ترفع علم بلادك بيدك، الأهم أن ترفع اسمها بعملك وأخلاقك.

 

إن التاريخ لا يسجل ما قلناه عن أوطاننا، بل ما قدمناه لها. ولن يسألنا أحد غداً كم مرة هتفنا، بل سيسألنا كم مرة بنينا، وكم مرة أصلحنا، وكم مرة وضعنا المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة.

 

فلنجعل شعار هذه المرحلة واضحاً ومباشراً: *الانتماء ليس كلاماً… الانتماء عمل. فبالعمل وحده نحفظ أوطاننا، وبالعمل وحده نبني مستقبل أبنائنا، وبالعمل وحده نستحق أن نقول بصدق “نحن أبناء هذا الوطن”.

مقالات ذات صلة