المقالات والسياسه والادب

الانحدار المعيشي يفكك الكرامة سوسيولوجيا التآكل الطبقي في الممر العشرين

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
الانحدار المعيشي يفكك الكرامة سوسيولوجيا التآكل الطبقي في الممر العشرين
في الممر العشرين وجوه متجشمة من العناء لا حديث عن الثقافة ولا جدل حول القيم ولا سجالات بين المفكرين هناك فقط أجساد مرهقة وعيون ذابلة وأرواح أنهكتها تفاصيل الحياة اليومية
هنا لا يرفع شعار المعرفة بل شعار البقاء لا صوت يعلو فوق أنين الجيوب المثقوبة ولا أحاديث يتجاوز أسعار السلع أو قوائم الديون المتراكمة
في هذا الممر الغلاء ليس طارئا بل صار نظام حياة والفقر لم يعد عيبا بل حقيقة مؤلمة يتعايش معها الجميع حتى أولئك الذين لا يزالون يبتسمون في الصور التذكارية
لا مكان للنظريات الاقتصادية ولا مفردات التنمية يقف أحدهم أمام بائع الخضار يقارن بين سعر البطاطس وسعر كرامته يتردد بين شراء علبة حليب لأطفاله أو دفع فاتورة الكهرباء المتأخرة
سألت نفسي أيعقل أن يتحول الراتب الشهري إلى محطة وقود بالكاد تكفي لأسبوع أين السياسات الاقتصادية أين العدالة الاجتماعية أين المسؤول الذي يدعي أنه يشعر بالناس أم أن الشعور بات رفاهية لا يملكها أصحاب المراتب العليا
في هذا الممر لا تقاس الكفاءة بالشهادات بل بالقدرة على النجاة ولا يقاس النجاح بما تحقق بل بما استطعت تأمينه من ضروريات وربما يصبح الحلم الأكبر لمواطن بسيط هو أن يشتري طعاما دون أن يضطر للاقتراض
قابلت رجلا على رصيف الممر يبيع ما تبقى من كتبه الجامعية سألته لماذا تبيع ما صنعت به مستقبلك فقال أبيع الماضي لأشتري الغد فالغد هنا لا يصنع بالعلم بل بالبقاء حيا لم أجب فقد كان صوته أبلغ من أي رد
الغلاء في الممر العشرين لا ينهش الفقراء فقط بل يطحن الطبقة المتوسطة حتى باتت مهددة بالانقراض أما الأغنياء فيراقبون من خلف الزجاج ويتساءلون عن سبب امتلاء الشوارع بالشحاذين والباعة الجائلين لا أحد يسأل عن الحلول بل عن موعد الراتب عن الزيادة المنتظرة عن سعر الرغيف وعن طريقة تسديد الإيجار
المؤسسات غائبة أو تتصنع الحضور تحاصرها البيروقراطية ويكبلها ضعف الأداء وتدار غالبا بمنطق العلاقات لا الكفاءات لا رقابة حقيقية على الأسواق ولا آليات لضبط التوازن كل شيء خاضع لقانون العرض حتى لو غاب الطلب كل شيء مباح في اقتصاد الممر العشرين سوى الكرامة
والأسوأ أن من يطالب بالإصلاح يوصف بالمحرض ومن يشير إلى الخلل يتهم بالتشاؤم كأن الاعتراف بالمرض خيانة وكأن البحث عن علاج جريمة
نحن لا نطلب معجزات نريد أن نعيش نريد سياسة اقتصادية حقيقية لا شعارات جوفاء نريد إجراءات تلامس الواقع لا أوراقا تكدس في المكاتب نريد إصلاحا لا ترقيعا ومحاسبة لا تبريرا نريد للفقراء صوتا حقيقيا في صناعة القرار لا تمثيلا شكليا في البرلمان أو المؤتمرات
إذا لم تتدخل الدولة سريعا لكبح الانفلات السعري ومراجعة آليات الدعم وإعادة ترتيب الأولويات فإن الممر العشرين لن يكون النهاية بل بداية ممر جديد ممر يباع فيه الشرف على أرصفة الديون وتقايض فيه القيم بكيس أرز وتُشترى فيه الأصوات بكارت أخضر وحينها يصبح الحديث عن التنمية دربا من الجنون
في الممر العشرين نحن لا نواجه الغلاء فقط بل نواجه انحسار الأمل وانكسار الكرامة وتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها
فلنقلها بوضوح لا نحتاج شعارات بل حلولا لا نريد تبريرات بل شجاعة في الاعتراف والتغيير فإن لم نبدأ اليوم فلن ننجو غدا وحينها لن يكون الممر الحادي والعشرون سوى حفرة اقتصادية بلا قاع
قد تكون صورة ‏شخصين‏

مقالات ذات صلة