مستشارك القانونى
البلاغ الكاذب بين حرية التبليغ ومسؤولية الكلمة

بقلم: أحمد الشبيتي
يُعد الإبلاغ عن الجرائم والوقائع المخالفة للقانون واجبًا وطنيًا وحقًا مكفولًا لكل مواطن، إلا أن هذا الحق يجب ألا يتحول إلى وسيلة للكيد أو الانتقام أو الإضرار بالآخرين. ومن هنا جاء تجريم البلاغ الكاذب في القانون المصري، حمايةً للأبرياء وصونًا لهيبة العدالة.
أولًا: تعريف البلاغ الكاذب
البلاغ الكاذب هو كل إخبار كاذب مقدم إلى السلطات المختصة، يتضمن اتهامًا لشخص طبيعي أو اعتباري بارتكاب جريمة يعلم المُبلِّغ بعدم صحتها، بهدف تحريك المساءلة القانونية ضده ظلمًا.
ثانيًا: النص القانوني
نصت المادة 305 من قانون العقوبات المصري على أن:
“من أخبر بأمر كاذب مع سوء القصد يستوجب عقوبة فاعله، يُعاقب بالحبس.”
كما أضافت المادة 306 أنه إذا ترتب على البلاغ الكاذب صدور حكم قضائي ضد المجني عليه، فإن العقوبة قد تصل إلى الحبس مع الشغل، وربما تزيد حسب ملابسات الواقعة.
ثالثًا: أركان الجريمة
لكي يتحقق البلاغ الكاذب كجريمة، لا بد من توافر ثلاثة أركان:
1. الركن المادي: تقديم بلاغ إلى جهة رسمية (كالشرطة أو النيابة العامة) يتهم فيه شخصًا بجريمة.
2. الركن المعنوي: توافر سوء النية لدى المُبلِّغ، أي علمه بكذب ما يدعيه.
3. القصد الجنائي: وجود رغبة في الإضرار بالشخص المُبلّغ عنه أو تحريك دعوى كيدية.
رابعًا: الآثار المترتبة على البلاغ الكاذب
لا يقتصر الضرر على المجني عليه فحسب، بل يمتد ليهدر وقت وجهد أجهزة العدالة، ويزرع الشك في نفوس الناس، ويهز الثقة في عدالة القانون. ولهذا فإن الدولة تتعامل مع هذه الجريمة بجدية بالغة.
خامسًا: موقف القضاء المصري
أرست محكمة النقض المصرية مبدأً هامًا مفاده أن:
“الحق في الشكوى يجب أن يُمارس في حدود حسن النية، وأن يُبنى على وقائع حقيقية، وإلا أصبح استخدامًا تعسفيًا للحق يستوجب المساءلة.”
ختامًا:
إن الكلمة أمانة، والبلاغ مسؤولية، وما بينهما تقف العدالة حارسة للحق. لذا، فإن التبليغ يجب أن يكون قائمًا على الحقيقة والنية السليمة، لا على الأهواء أو النزاعات الشخصية. فكل من يسيء استخدام هذا الحق، عليه أن يواجه القانون، تمامًا كما يُحاسب المجرم الحقيقي.


