المقالات والسياسه والادب
الطالب والمعلم بين الماضي والحاضر علاقة تهددها الماديات

بقلم ا. سبيله صبح
كنا قد تحدثنا في المقالين السابقين عن أهمية التعليم منذ بدء الخليقة ثم تحدثنا في المقال الثاني عن دور المعلم وأثره في حياة الطالب واليوم نستكمل الحديث عن هذا الدور وتطوره قديمًا وحديثًا ليس ذلك فحسب بل سنتحدث عن ايجابيات وسلبيات تلك العلاقة وتطوراتها.
* العلاقة بين الطالب والمعلم قديمًا وحديثًا :
* منذ فجر التاريخ كانت العلاقة بين الطالب والمعلم هي حجر الأساس واللبنة الأولى في بناء الحضارات والثقافات حيث كان المعلم فيها هو المرشد والناقل للمعرفة، والقدوة، حاملًا بيده شُعلة العلم ليُنير بها طريق المعرفة أمام طلابه، وكان الطالب هو المُتلقي والباحث عن المعرفة..
* وقد اتسمت هذه العلاقة قديمًا بالتقدير والاحترام للمُعلم، والتقديس لرسالته ، فكان المُعلم له كامل الاحترام حيث كان يُنظر إليه على أنه صاحب الحكمة والمعرفة وكانت له مكانة روحية واجتماعية عظيمة خاصة في الكتاتيب والمدارس التقليدية، أما الطالب فكان يُظهر احترامًا ملحوظًا للمعلم، ويتلقى العلم في صمت تام، تراه ينهل ما استطاع من علمٍ في احترام دون مناقشة أو اعتراض، ويرى أن طاعة ذلك الَمُعلم واجبة عليه دون نقاش.
* تطور العلاقة حديثًا :
* أما حديثًا فلم يعد المعلم هو مصدر المعرفة خاصة بعد تطور نُظم التعليم وتنوع مصادر المعرفة وظهور الوسائل التكنولوجية الحديثة، فأصبح دور المعلم مُيسِّر للمعرفة وموجهًا يُساعد الطالب على البحث والتفكير النقدي وأصبحت العلاقة مبنية على الحوار والمشاركة، حيث يتبادل الطرفان فيها الخبرات والمعلومات بطريقة جيدة أساسها الاحترام المُتبادل.
* ظهور بعض السلبيات في العصر الحديث :
رغم هذا التطور إلا أنه مع المؤسف انتشار بعض السلبيات وأعتقد من وجهة نظري أهمها اتجاه بعض المُعلمين للماديات والتضحية بالمبادئ والقيم والنزول بمكانتهم من أجل المال فمن المُخزي أن نرى ذلك المُعلم القدوة الذي كان احترامه ومهابته أساس علاقته بالطالب نراه اليوم يرقص ويغني بطريقة مُبتذلة رخيصة، بل إن البعض قد قام بنشر مقاطع فيديو له مُمسكًا بيده ” طبلة” يَدُقُّ عليها والطلاب يرقصون، فأضاع هيبته وجلال العلم وقيمته.
* استغلال بعض المدرسين مكانتهم من أجل كسب المال، وانتشار الدروس الخصوصية بشكل مُبالغ وبمبالغ طائلة خاصة في المرحلة الثانوية مما يُشكل عبئًا كبيرًا على الأسرة.
* هذه السلوكيات شوهت قيمة المُعلم في نظر طُلابه وتدهورت مكانته لديهم وأضعفت الثقة في العلاقة التي كانت أسمى وأطهر علاقة قبل ذلك.
* المُعلم القدوة رغم جميع التحديات :
مما لا شك فيه أنه بالرغم من هذه السلبيات إلا أن الغالبية من المُعلمين مازالوا مُخلصين في أداء رسالتهم، ويُؤدون دورهم الرائد والنبيل في صناعة الأجيال رغم مايواجهونه من تحديات وتطورات فنراهم يُطورون من أنفسهم ويُحسنون استخدام الطرق الحديثة للتعليم بشكل لائق يحفظ لهم هيبتهم وكرامتهم في عيون طُلابهم وقلوبهم. ويضمن نقل المعلومة للطالب بطُرق لائقة ، هؤلاء هم الامتداد الحقيقي للمُعلم القدوة الذي عرفناه على مَرِّ العُصور.
* كيفية إصلاح العلاقة :
* من وجهة نظري يقع العبء الأساسي على الدولة والمجتمع وذلك من خلال دعم المُعلم ماديًا ومعنويًا وإرجاع هيبته من جديد لدى طُلابه، حتى لا يتحول التعليم من قدوة إلي تجارة.
* الحرص على أن تعود رسالة التعليم الأساسية وهي” بناء الإنسان ” وذلك قبل تحصيل الدرجات فالتربية قبل التعليم.
* تعزيز قيم الاحترام المتبادل بين الطالب والمُعلم.
* تجربة الأزهر المميزة*
من النماذج التي تستحق الإشادة في الحفاظ على توازن العلاقة بين الطالب والمعلم دور الأزهر الشريف.
فالأزهر تميز بعدم تعيين الشباب حديثي التخرج لتدريس المراحل الثانوية، بل يعتمد على معلمين ذوي خبرة وقدرة على التعامل مع الطلاب في هذه المرحلة الأساسية.
* كذلك يحرص دائمًا على الفصل بين الذكور والإناث في التعليم بداية من المرحلة الإعدادية مُراعيًا التذكير والتأنيث ما استطاع إلى ذلك سبيلا فيقوم الذكور بالتدريس للذكور والإناث بتدريس الإناث، بما يحفظ الاحترام ويُعزز القيم داخل العملية التعليمية.
* خاتمة *
* في الختام إذا أردنا جيلاً صالحًا قادرًا على مواجهة التحديات والمُغريات، فلا بد من إصلاح القدوة الأولى وهو المُعلم، ودعمه ماديًا واجتماعيًا، وإعادة هيبته في نفوس الطلاب. فالمعلم هو الذي يغرس القيم، ويزرع الانتماء، ويشكل الوجدان. وإذا استقامت صورة المعلم في المجتمع، استقام التعليم بأكمله، وصار الطالب أكثر وعيًا وإيجابية، مما يضمن بناء أمة قوية قادرة على النهوض والتقدم في مواجهة التحديات العالمية.



