المقالات والسياسه والادب
الفينيقيون في سردينيا (11) _ 3 من سلسلة الفينيقيين في أوروبا

ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنان
*
بدأ التواجد الفينيقي في جزيرة سردينيا الإيطالية خلال القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.
في البداية، أسس الملاحون الفينيقيون القادمون من سواحل لبنان محطات تجارية صغيرة على السواحل، والتي تطورت لاحقاً لتصبح مدناً ومستوطنات مستقرة.
تطور التواجد الفينيقي في سردينيا عبر المراحل التالية:
مرحلة المحطات التجارية (القرن التاسع ق.م):
بدأت السفن الفينيقية ترسو على السواحل الجنوبية والغربية للجزيرة للتبادل التجاري مع “حضارة نوراجيك” المحلية.
مرحلة الاستيطان وتأسيس المدن (القرن الثامن ق.م):
تحولت هذه المراكز إلى مدن مستقلة ومزدهرة على طول الساحل، مثل: نورا (Nora)، سولكي (Sulcis)، ثاروس (Tharros)، وكاراليس (Karalis – كالياري الحالية).
المرحلة القرطاجية (القرن السادس ق.م):
خضعت الجزيرة للسيطرة المباشرة لقرطاج لاحقاً، مما حوّل سردينيا إلى قاعدة إستراتيجية هامة في غرب البحر الأبيض المتوسط.
الاندماج الاجتماعي والتحالف المشترك
اتسمت العلاقة بين الفينيقيين والسكان الأصليين النوارجيين بطابع سلمي قائم على التبادلات والمصالح المشتركة.
وقد تطورت لاحقاً إلى تحالفات عسكرية واندماج اجتماعي وثقافي عميق بدلاً من الإخضاع العسكري.
التأسيس المشترك للمدن:
لم تكن المراكز التجارية الفينيقية قواعد عسكرية معزولة، بل تحول العديد منها إلى مدن مختلطة بفضل الاندماج التدريجي بين الوافدين والسكان المحليين.
التحالفات العسكرية:
وظّف القرطاجيون (ورثة الفينيقيين) المقاتلين الأمازيغ كقوة عسكرية رئيسية وفعالة في جيوشهم، لا سيما خلال الحروب البونيقية ضد روما.
التلاقح الحضاري والاكتشافات الأثرية
أثبتت الدراسات والأبحاث التاريخية الحديثة، بما في ذلك الاكتشافات الجينية في لبنان، أن الفينيقيين لم يكونوا مجرد عابرين، بل استوطنوا الجزيرة وامتزجوا مع سكانها.
وقد أحدث هذا التواجد تلاقحاً حضارياً شاملاً، حيث لا تزال التقنيات الزراعية والغذائية التي أدخلوها متأصلة في الهوية المحلية للمنطقة.
وتشمل أبرز المعالم والمواقع الأثرية الفينيقية في سردينيا:
ميناء مدينة تاروس (Tharros):
عثر علماء الآثار فيه على مرفأ مغمور وحوض محفور في الصخر شبيه بميناء قرطاج، بالإضافة إلى حوائط من الحجر الرملي على الساحل الغربي بالقرب من خليج أوريستانو.
حجر نورا (Nora Stone):
وهو أهم وأقدم نقش فينيقي عُثر عليه (اكتشف عام 1773)، ويحفظ حالياً في المتحف الأثري الوطني في كالياري، ويروي قصة معركة فينيقية تاريخية.
آثار الجعران الفينيقي:
ختم منحوت من الحجر الصابوني ذي أصل فينيقي يعود تاريخه إلى العصر البرونزي أو الحديدي، عُثر عليه في مجمع “نوراجي رويناس” الأثري.
مدينة “نورا” التاريخية:
أُسست كأقدم مدينة في الجزيرة على يد الفينيقيين في القرن الثامن قبل الميلاد، ثم تعاقبت عليها الحضارتان القرطاجية والرومانية. وبفضل موقعها الساحلي على شبه جزيرة صغيرة بالقرب من بلدة “بولا” (على بعد 30 كم جنوب كالياري)، كانت مركزاً تجارياً حيوياً يعكس توازنات القوى في المتوسط. وتضم معالم بارزة مثل المسرح الروماني، وحمامات “تيرمي أندريا” (Thermae a mare)، والأرضيات الفسيفسائية المذهلة، إلى جانب بقايا المعابد الفينيقية والبونيقية المخصصة للإلهة “تانيت” أو “عشتروت”.
حركة التبادل التجاري: الصادرات والواردات
تميزت شبكة التبادل بين الفينيقيين والحضارة النوراجية بمسارات دقيقة ومنافع متبادلة:
الصادرات الفينيقية إلى سردينيا:
قدّم الفينيقيون سلعاً فاخرة ونادرة مثل المصنوعات العاجية، الأواني الزجاجية، الأقمشة المصبوغة بالأرجوان الصوري الشهير، والمجوهرات المصنعة في الشرق.
الواردات من سردينيا إلى فينيقيا:
استورد الفينيقيون كميات ضخمة من المعادن الأساسية التي تفتقر إليها مدنهم الرئيسية في لبنان، وعلى رأسها الفضة، الرصاص، والنحاس، بالإضافة إلى تبادل المحاصيل والمنتجات الزراعية.
لقد اعتمد الفينيقيون في هذه المسارات المائية الطويلة على المعرفة الفلكية والملاحة الليلية، مستخدمين سفناً متطورة مصنوعة من خشب الأرز لنقل بضائعهم. وأقام هؤلاء البحارة على سواحل سردينيا محطات تجارية تطورت لاحقاً إلى مستعمرات رئيسية—مع الإشارة إلى أن كلمة “مستعمرة” لغوياً مشتقة من “عَمَّرَ” أي بنى وأسس .


