المقالات والسياسه والادب

القمل والبنجر المخلل.. مسببات أمراض أهلكت جيش نابليون في روسيا عام 1812

 

صفاء مصطفى الكنانة نيوز 

استخدم فريق دولي من العلماء لأول مرة الاختبارات الجينية المباشرة لتحديد الميكروبات التي ساهمت في الوفيات الكارثية لجنود نابليون أثناء انسحابه الكارثي من روسيا في شتاء عام 1812، ومن خلال تحليل الحمض النووي المستخرج من أسنان 13 جنديًا دفنوا في مقبرة جماعية في فيلنيوس، ليتوانيا، أكد الباحثون وجود مرضين معديين حمى نظيرة التيفوئيد وحمى الانتكاس المنقولة بالقمل، وفقا لما نشره موقع” labrujulaverde”.

 

في يونيو 1812، غزا نابليون بونابرت روسيا بجيش يتراوح عدده بين 500 ألف و600 ألف جندي، لكن بعد وصوله إلى موسكو ووجدها مهجورة تحترق، اضطر جيشه إلى الانسحاب يائسًا وسط شتاء روسيا القارس، وبحلول ديسمبرمن ذلك العام، كان الجيش الكبير بأكمله قد هلك، ورغم أن هذه الخسائر الهائلة في الأرواح تُعزى تقليديًا إلى البرد القارس والجوع، إلا أن السجلات التاريخية تُشير أيضًا إلى تفشي الأمراض المُعدية.

 

اكتشاف قمل على رفات جنود نابليون

وصف أطباء معاصرون، مثل الدكتور ج. ر. ل. دي كيركهوف، أعراضًا كالحمى والإسهال والتيفوس بين الجنود، ولعقود، ساد الاعتقاد بأن التيفوس الوبائي (الذي ينتقل عن طريق القمل) هو المسؤول الرئيسي، لا سيما بعد أن وجدت دراسة سابقة قملًا على رفات جنود نابليون، وكشفت عن شظايا من الحمض النووي لبكتيريا ريكتسيا بروازيكي ، وهي البكتيريا المسببة للتيفوس. إلا أن هذه الدراسة اعتمدت على تقنيات وراثية محدودة، ولم تتمكن من تأكيد وجود العامل الممرض بشكل قاطع.

 

قام الفريق، بقيادة علماء من معهد باستور (فرنسا) وجامعة تارتو (إستونيا)، بتطبيق تقنيات التسلسل الجيني الحديثة لتحليل الحمض النووي المُستخرج من أسنان 13 جنديًا، والتي تحتوي على آثار مسببات الأمراض في لبها، وكشفوا عن وجود نوعين من البكتيريا : السالمونيلا المعوية التي تُسبب حمى نظيرة التيفوئيد ، وهو مرض شبيه بالتيفوئيد ينتقل عبر المياه أو الأغذية الملوثة. وبكتيريا البوريليا المتكررة ، المسؤولة عن الحمى الانتكاسية التي ينقلها القمل ، والتي تُسبب نوبات من الحمى الشديدة وآلام العضلات والضعف الشديد.

 

ومن المثير للدهشة أنه لم يتم العثور على أي أثر لبكتيريا Rickettsia prowazekii (التيفوس) أو Bartonella quintana (حمى الخنادق) ، وهما مسببات الأمراض التي يعتقد أنها لعبت دورا رئيسيا في نفوق هذه الحيوانات.

 

كيف أصيب الجنود بالمرض؟

تُشير السجلات التاريخية إلى أعراض هذه الأمراض، وصف دي كيركوف كيف تناول الجنود، في ظلّ حاجتهم الماسة للطعام، البنجر المخلل المخزن في براميل في منازل مهجورة في ليتوانيا، مما سبب الإسهال.

 

 

ينطبق هذا الوصف على حمى نظيرة التيفوئيد، التي تشمل أعراضها الحمى، وآلام البطن، والإسهال أو الإمساك، والضعف، والطفح الجلدي، من ناحية أخرى، فإن الحمى الانتكاسية، التي تنتقل عن طريق القمل الذي يصيب بزات الجنود، من شأنها أن تزيد من إضعاف الرجال المنهكين أصلًا من البرد والجوع.

 

تحل هذه الدراسة لغزًا تاريخيًا، وتُظهر كيف يُمكن للعلم الحديث أن يُلقي الضوء على الأوبئة الماضية، وكما يُشير المؤلفون، يُقدم عملنا أول دليل مباشر على أن حمى نظيرة التيفوئيد ساهمت في وفيات جنود نابليون خلال انسحابه الكارثي من روسيا .

ومع ذلك، يُحذّر الباحثون من أن هذه الممرضات لم تكن بالضرورة السبب الوحيد وراء عدد الوفيات، فالظروف القاسية مثل البرد والجوع والإرهاق والإصابات المتعددة المُزامنة خلقت عاصفةً كارثيةً أهلكت الجيش.

مقالات ذات صلة