رمضان شهر مبارك، أكرمنا الله به ليكون موسمًا للطاعة والمغفرة، ولكننا نجد أنفسنا أمام ظاهرة متكررة كل عام، حيث يتحوّل هذا الشهر إلى موسم لعرض المسلسلات الهابطة والبرامج السطحية، وكأن هناك من يسعى إلى إفساد أجواء الإيمان التي يُفترض أن تملأ البيوت.
لكن البعض قد يتساءل: إذا كانت الشياطين مصفدة، فلماذا يزداد الفساد في الإعلام والترفيه خلال رمضان؟
الجواب أن الشياطين التي تُصفد هي من الجن، أما شياطين الإنس فهم أحرار، بل يستغلون هذا الشهر لإفساد النفوس وصرفها عن الطاعة.
المسلسلات الرمضانية.. دراما أم إسفاف؟
يُفترض أن يكون الفن وسيلة لنقل القيم وتعزيز الوعي، لكن ما نراه في أغلب المسلسلات الرمضانية هو العكس تمامًا، حيث تسيطر عليها مواضيع الخيانة، والعنف، والانحراف الأخلاقي، إلى جانب مشاهد لا تليق بحرمة هذا الشهر الفضيل.
نقد عام للمحتوى:
غياب القيم: نجد أن معظم الأعمال تروّج لعلاقات غير مشروعة، وتصور الفساد وكأنه شيء طبيعي.
تشويه صورة المجتمع: تقدم بعض المسلسلات صورة مبالغًا فيها عن المجتمع، بحيث يظن المشاهد أن الانحراف هو القاعدة وليس الاستثناء.
استهداف الأسرة: من خلال عرض مشاهد وأفكار تتعارض مع أخلاقنا الإسلامية، مما يؤثر على الأطفال والشباب بشكل سلبي.
وقد قال النبي ﷺ: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين.” (رواه البخاري ومسلم).
فكيف نرى في هذه المسلسلات مجاهرة بالفواحش، ثم نجد من يدافع عنها بحجة أنها “تعكس الواقع”؟
برامج المقالب: إهانة وإذلال باسم الترفيه
لم تقتصر الإساءة على المسلسلات فقط، بل حتى برامج المقالب أصبحت وسيلة لإهانة الضيوف وإذلالهم أمام الجماهير، بحجة “الكوميديا”.
يقوم البعض بترهيب الضيف وإخافته حتى يفقد أعصابه، ثم يتم تبرير ذلك بأنه “مزاح”.
يتم إحراج الضيوف أو السخرية منهم أمام المشاهدين، وكأن الكرامة الإنسانية لا قيمة لها.
وقد قال النبي ﷺ: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا.” (رواه أبو داود وصححه الألباني).
فإذا كان الشرع يحرم إخافة المسلم، فكيف يكون هذا هو مضمون الترفيه في رمضان؟
الإعلام بين التوعية والتخدير
بدلًا من أن يكون الإعلام وسيلة لرفع وعي الأمة، نجده اليوم أداة لتخدير العقول وإشغال الناس بتفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع.
وقد أخبر النبي ﷺ عن زمن تكثر فيه التفاهة، فقال: “سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.” قيل: وما الرويبضة؟ قال: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.” (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
أليس هذا ما نراه اليوم عندما يصبح مشاهير التفاهة هم من يوجهون الرأي العام؟
كيف نحمي أنفسنا وأبناءنا؟
1. الاختيار الواعي: يجب أن نكون انتقائيين فيما نشاهده، ونوجه أسرنا لمتابعة المحتوى الهادف.
2. استثمار الوقت في الطاعة: بدلًا من إضاعة ساعات في مشاهدة ما لا ينفع، يمكن استغلال رمضان في الصلاة، وقراءة القرآن، والأعمال الصالحة.
3. تشجيع الإعلام الهادف: دعم البرامج والمسلسلات التي تقدم محتوى مفيدًا يحترم القيم الإسلامية.
4. تربية الأبناء على الوعي: يجب توعيتهم بخطورة المحتوى الإعلامي الفاسد، وعدم تركهم ضحية للتأثير السلبي.
خاتمة
رمضان فرصة للتوبة والتغيير، لكن الإعلام الفاسد يسعى إلى تحويله إلى موسم للشهوات والفتن. فهل سنترك أنفسنا وأبناءنا فريسة لهذا الفساد، أم سنكون واعين لما يُعرض علينا ونختار ما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا؟
نسأل الله أن يرزقنا البصيرة، وأن يعيننا على استغلال هذا الشهر فيما يرضيه.