المقالات والسياسه والادب

الملك الطفل بقلم  محمد بايزيد 

الملك الطفل
حين تراه من بعيد، تشعر أن الزمن قد التبس عليك. رجل أربعيني، يمشي بثقل الملوك. لحيته الكثيفة، وملامحه الصارمة، وخطواته الواثقة… كل شيء فيه يذكّرك بالسلطان سليمان من ذلك المسلسل الذي لا ينتهي
لكن ما إن يفتح فمه، حتى ينهار ذلك التصور، كقصرٍ من رمل ضربته موجة ضحكة.

كان معروفًا في الحي، ليس باسمه، بل بلقبه الذي التصق به كظله – الملك الطفل –
عقله لا يتجاوز عقل صبي في الصف الثاني. يسأل ببراءة لا تعرف التهكم:
– “وين اليوم كاين جنازة؟”

يسأله البعض متندّرين:
– “علاش؟ تحب الحزن؟”
فيجيب بصدق لا يعرف الخجل:
– “نحب نجمّع أجر… نحب ربي يرضى عليّ…”

كانوا يضحكون. يقول بعضهم إنّه لا يقصد الأجر، بل الأكل، فالناس هنا يقيمون الولائم بعد الدفن. لكنه يحلف، عاقدًا أصابعه كطفل يطمئنك على صدقه:
– “والله ما ناكل… والله…!”

ثم، كعادة الأولاد حين يشتدّ اللعب، يخطف أحدهم سبحته.
يهرع خلفه كمن ضيّع قلبه، يتوسّل، يبكي، يُشهق، حتى تُعاد له.
وحين يُطلب منه مقابل، لا يمانع:
– غنّي لنا يا ملك –
فيشرع في غناء حزين، بصوت يترك أثرًا غريبًا، كأن حنجرة الملك تخفي وجعًا لا يعرف مصدره أحد.

دائم الحديث عن الزواج.
يرسم ملامح عروسه الحلم كأنها أميرة في قصر من خيال:
– “تكون هادئة… طيبة… تقبل بيا كيما أنا… نعيشها ملكة… والله ما نرفض لها طلب.”
ثم يتنهّد، تنهيدة أكبر من سنّه، أكبر من قامته، تنهيدة من جُرِح بالرفض مرارًا دون أن يفهم لماذا.

لم يكن يسكن بيتًا، بل تسكنه الطيبة.
لم يكن يقرأ الكتب، لكنه يعلّمك الإنسانية من نظرة.
كان يمشي بيننا، لا كواحد منا، بل كدرسٍ مفتوح في العطف والتسامح، لا يُدرّس في المدارس.

وفي يوم شتوي باهت، افتقده الحي.
لم يكن عند أي جنازة، ولا في الزاوية، ولا على درج المسجد، ولا في الطريق.
بحثوا عنه، سألوا، حتى عثر عليه أحدهم نائمًا على مقعد خشبي في الساحة القديمة، ممسكًا بمسبحته، مبتسمًا.

قال الطبيب:
– “توقّف قلبه، بهدوء… كأنّه نام ولم يستيقظ.”

بكى الحيّ كله…
لا لأنه مات، بل لأنه عاش بينهم طويلاً، ولم يفهموا أبدًا أنه كان أجملهم.

مقالات ذات صلة