المقالات والسياسه والادب
الموسيقى محور ارتكاز الفنون

بقلم ســيــد جــمــعــه
ناقد تشكيلي واديب
كلما تأملت الفنون على اختلاف أشكالها وتنوع لغاتها، وجدتني أعود إلى الموسيقى، لا باعتبارها فنًّا قائمًا بذاته فحسب، وإنما باعتبارها روحًا خفية تتسلل إلى بقية الفنون، فتمنحها إيقاعها، وتوقظ فينا مشاعر قد نعجز عن التعبير عنها بالكلمات
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أنظر إلى الموسيقى باعتبارها أحد محاور الارتكاز الأساسية في عالم الفنون؛ فهي لا تكتفي بأن تخاطب حاسة السمع، بل تمتد إلى الوجدان، وتشارك العين في اكتشاف الجمال، وتمنح الكلمة والصورة والحركة أبعادًا تتجاوز حدودها المباشرة .
وأنا هنا لا أتحدث عن الموسيقى من منظور متخصص أو دارس لقواعدها ونظرياتها، وإنما أتحدث من موقع المتلقي الذي عاش مع الفنون، وتأمل أعمالها، وحاول أن يكتشف ما يجمع بينها من وشائج قد تبدو خفية في البداية، لكنها سرعان ما تتكشف أمامنا حين نتأملها بعيون أكثر انتباهًا .
أول ما يستوقفني في الموسيقى أنها لغة لا تحتاج إلى ترجمة. فقد تختلف لغات البشر، وتتباين ثقافاتهم وتجاربهم، لكن نغمة حزينة تستطيع أن تلامس إنسانًا لم يعرف لغة صاحبها، كما تستطيع ألحان الفرح أن تجمع بين أشخاص تفصل بينهم آلاف الأميال. وهنا أجد أن الموسيقى تمتلك قدرة فريدة على تجاوز الحواجز، والوصول إلى منطقة مشتركة بين البشر؛ منطقة المشاعر الإنسانية التي لا تحتاج دائمًا إلى الكلمات .
لكن السؤال الذي يشغلني هو: هل تقف الموسيقى عند حدود هذا التأثير الوجداني، أم أن حضورها يتجاوز ذلك ليصبح عنصرًا أساسيًّا في بناء الفنون الأخرى؟
أميل إلى الرأي الثاني، وأجد شواهد كثيرة تؤيده في تجربتنا اليومية مع الفن
فحين أقرأ قصيدة شعرية، أبحث عن موسيقاها بقدر بحثي عن معناها. لا أقصد هنا الوزن والقافية وحدهما، وإنما ذلك الإيقاع الداخلي الذي يتولد من اختيار الكلمات، وتجاور الحروف، وتكرار بعض الأصوات، وتوزيع الجمل، وطريقة انتقال الشاعر من صورة إلى أخرى.
كم من قصيدة استوقفتني لأن كلماتها تبدو وكأنها تتحرك على نغم داخلي، حتى لو كانت قصيدة نثر لا تلتزم وزنًا خليليًّا أو قافية ثابتة! وكم من بيت شعري بقي في الذاكرة لا بسبب معناه وحده، وإنما لأن موسيقاه التصقت بالوجدان وأصبحت جزءًا من أثره !
ومن هنا أرى أن العلاقة بين الشعر والموسيقى ليست علاقة تزيينية، نضيف فيها اللحن إلى الكلمات لكي تصبح أكثر جمالًا، بل هي علاقة أعمق؛ فكلاهما يبحث عن إيقاع خاص يستطيع أن ينقل التجربة الإنسانية من مجرد فكرة إلى إحساس حي
وقد يكون هذا ما يجعل بعض الكلمات تظل عالقة في الذاكرة حين تغيب مناسبتها، وما يجعلنا نستعيد أغنية قديمة فنتذكر معها وجوهًا وأماكن وأزمنة ظننا أننا تجاوزناها
وإذا انتقلت من الشعر إلى الفن التشكيلي، وجدت الموسيقى حاضرة أمام عيني، حتى في اللوحة الصامتة .
قد يبدو هذا القول غريبًا للوهلة الأولى؛ فاللوحة لا تصدر صوتًا، والفنان التشكيلي لا يستخدم الآلات الموسيقية، وإنما يتعامل مع اللون والخط والكتلة والمساحة والضوء والظل. لكنني كلما تأملت لوحة ناجحة، وجدتني أبحث عن إيقاعها، وأتتبع حركة عيني بين عناصرها، وأتساءل عن العلاقة التي أقامها الفنان بين الألوان والأشكال، وعن التوازن أو التوتر الذي أراد أن يخلقه داخل المساحة .
أليست هناك ألوان تتجاور في هدوء يشبه مقطوعة موسيقية رقيقة ؟ وأليست هناك خطوط حادة وتكوينات متشابكة توحي بإيقاع صاخب، كأن اللوحة تعزف موسيقى من نوع آخر؟
إن الفنان التشكيلي، في تقديري، لا يوزع عناصر لوحته توزيعًا عشوائيًّا؛ إنه يبحث عن علاقات بينها، تمامًا كما يبحث الموسيقي عن علاقات بين النغمات. وقد تتكرر الأشكال في اللوحة كما تتكرر الوحدات الإيقاعية في الموسيقى، وقد يصنع التباين بين الألوان أثرًا يشبه الانتقال من نغمة هادئة إلى نغمة قوية، أو من صمت قصير إلى ذروة موسيقية .
وإذا كانت الموسيقى تُسمَع ولا تُرى، فإن اللوحة تُرى، لكن كليهما يستطيع أن يحرك في داخلنا إحساسًا لا نستطيع تفسيره تفسيرًا كاملًا .
ولذلك أجد أن العلاقة بين الموسيقى والتصوير التشكيلي لا تقوم على التشابه الشكلي وحده، وإنما على اشتراكهما في البحث عن التوازن والإيقاع والتعبير. وقد ينجح الفنان في جعلنا نشعر بحركة داخل لوحة ساكنة، مثلما ينجح الموسيقي في أن يرسم لنا بصوته مشهدًا لم نره بأعيننا .
أما في الرقص والمسرح والسينما، فإن حضور الموسيقى يصبح أكثر وضوحًا، لكنه لا يقل عمقًا .
ففي الرقص، تتحول الموسيقى إلى حركة، ويتحول الإيقاع إلى لغة للجسد؛ خطوة تتقدم، وأخرى تتراجع، وذراع ترتفع، وجسد يستدير، وكل ذلك في علاقة متبادلة بين الصوت والحركة.
وفي المسرح، تستطيع الموسيقى أن تهيئ المتلقي للحالة النفسية التي يقبل عليها، وأن تنقل المشهد من التوتر إلى الهدوء، أو من الحزن إلى الأمل. وقد تكون لحظة صمت موسيقي، في بعض المشاهد، أكثر تأثيرًا من مقطوعة كاملة، لأنها تترك المتلقي في مواجهة مباشرة مع الحدث ومشاعره .
أما السينما، فقد علمتنا أن الصورة وحدها ليست دائمًا كافية لصناعة التأثير الذي ننتظره؛ فالموسيقى المصاحبة للمشهد قد تمنحه معنى إضافيًّا، أو تكشف لنا ما تخفيه ملامح الشخصيات، أو تجعلنا نشعر بالخطر قبل أن نراه، ونستشعر الحزن قبل أن تنطق الشخصية بكلمة واحدة .
وهنا تتضح لي فكرة مهمة: الموسيقى لا تفرض نفسها بالضرورة على الفن الذي تصاحبه، بل قد تعمل في الخفاء، وتؤدي دورها دون أن ينتبه المتلقي إلى تفاصيله، لكنه يشعر بنتيجته .
ومن هنا أصل إلى نقطة أراها جديرة بالتأمل: هل يمكن أن تكون الموسيقى محور ارتكاز للفنون دون أن تكون هي الفن الأعلى أو الأهم بينها ؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في فهمنا لمعنى الارتكاز. فالمحور الذي تنتظم حوله الأشياء ليس بالضرورة الشيء الوحيد الذي يمنحها قيمتها، كما أن العلاقة بين الفنون ليست علاقة تفاضل مطلق، بحيث ينتصر فن على آخر أو يحل محله .
لكل فن لغته وأدواته وخصوصيته؛ فالشعر يملك الكلمة، والتصوير يملك اللون والخط والضوء، والنحت يتعامل مع الكتلة والفراغ، والمسرح يجمع بين الأداء والحركة والصوت، والموسيقى تمتلك النغم والإيقاع والصمت. لكن هذه الفنون تستطيع أن تلتقي وتتبادل التأثير، وأن يستعير بعضها من بعض طرائق التعبير دون أن يفقد أي منها هويته .
ولذلك فإن وصف الموسيقى بأنها محور ارتكاز للفنون لا يعني أنها تستبدل بقية الفنون أو تتقدم عليها في كل الأحوال، وإنما يعني أنها تقدم نموذجًا واضحًا لقدرة الفن على تنظيم عناصره في إيقاع، وعلى تحويل الأجزاء المتفرقة إلى تجربة جمالية متكاملة .
وربما لهذا السبب أيضًا نجد أن الإنسان لم يتعامل مع الموسيقى عبر تاريخه بوصفها وسيلة للترفيه وحده، بل ارتبطت بطقوسه واحتفالاته وأفراحه وأحزانه، وصاحبت العمل والحرب والسلم، وأصبحت جزءًا من ذاكرته الفردية والجماعية .
إننا نسمع لحنًا فيعيد إلينا زمنًا مضى، ونستمع إلى أغنية فتعود إلينا ملامح إنسان غائب، وقد نتأثر بموسيقى لا نعرف اسم مؤلفها ولا ظروف تأليفها، لكننا نشعر بأنها تلامس شيئًا في أعماقنا. وفي هذه القدرة على استدعاء الذاكرة وصناعة المعنى تكمن إحدى أهم خصائص الموسيقى، كما تكمن إحدى نقاط اتصالها ببقية الفنون .
وفي النهاية، أجدني أميل إلى النظر إلى الفنون باعتبارها نهرًا واحدًا تتعدد روافده، وتختلف أشكاله، لكنه يصب في غاية إنسانية مشتركة: أن يجعلنا أكثر قدرة على الإحساس، وأكثر انتباهًا إلى العالم، وأكثر وعيًا بما يختبئ وراء الأشياء من معانٍ وجمال .
وإذا كانت الموسيقى تستطيع أن تمنح الكلمة إيقاعًا، والصورة حركة متخيلة، والمشهد السينمائي عمقًا وجدانيًّا، فإنها بذلك تؤكد أن الجمال لا يسكن أداة واحدة، وأن الفنون، على اختلاف وسائطها، قادرة على أن تتحاور وتتساند لتصنع تجربة أكثر ثراءً وتأثيرًا
وأحب أن أختم بفكرة شخصية أؤمن بها: إن الموسيقى ليست مجرد صوت نسمعه، بل إحساس قد نراه في لوحة، ونلمسه في حركة، ونكتشفه بين كلمات قصيدة. وحين ننجح في الإصغاء إلى هذا الإحساس، ندرك أن الفنون، مهما اختلفت لغاتها، تتحدث في النهاية عن الإنسان؛ عن أحلامه ومخاوفه وذكرياته، وعن حاجته الدائمة إلى أن يعبر عن نفسه، وأن يجد في الجمال ما يخفف قسوة الحياة ويمنحها معنى .
من هنا، أرى أن الموسيقى ليست فقط محور ارتكاز للفنون، بل واحدة من أجمل الشواهد على أن الجمال، حين يتجاوز حدود الصوت والصورة والكلمة، يصبح لغة إنسانية مشتركة تجمعنا، حتى عندما تعجز الكلمات عن التعبير .




