المقالات والسياسه والادب

الهروب إلى الذات: كيف ننجو من كماشة القلق العالمي والاضطراب الأسري

الهروب إلى الذات: كيف ننجو من كماشة القلق العالمي والاضطراب الأسري؟

بقلم: د.ذكاء رشيد

​يجد الإنسان المعاصر نفسه اليوم محاصراً بين فكي كماشة لا ترحم؛ فكٌّ يمثله واقع أسري مضطرب يفتقر للاستقرار والمودة، وفكٌّ يمثله عالم يغلي على صفيح ساخن، مثقل بالحروب والنزاعات وفوضى المصالح. في هذا المشهد الضبابي، حيث يغيب الهدوء وتتعالى نبرات التهديد بالانفجار والدمار في أي لحظة، يبرز السؤال الوجودي الأهم: أين المفر؟ وكيف يحافظ المرء على توازنه وسط هذا الركام؟

​جغرافيا القلق: من البيت إلى العالم

​إن مأساة الفرد اليوم تكمن في “ازدواجية الجبهات”. ففي الأزمان الغابرة ، كان البيت هو الملجأ الذي يلوذ إليه المرء من قسوة العالم الخارجي. أما اليوم، فقد تداخلت الجبهات؛ فأصبح القلق الكوني يتسلل عبر الشاشات إلى غرف المعيشة، ليصطدم ببيئة أسرية تعاني أصلاً من التفكك أو الصراع. هذا التلاحم بين “الفوضى العامة” و”الاضطراب الخاص” خلق حالة من انعدام الوزن النفسي، حيث يشعر الفرد أنه لا يملك أرضاً صلبة يقف عليها.

​العالم على صفيح ساخن.. هل من نجاة؟

​إن الشعور بأن العالم “قد ينفجر في أي لحظة” ليس مجرد توهم، بل هو انعكاس لواقع جيوسياسي متوتر. لكن الخطورة تكمن في أن هذا الترقب الدائم للدمار يشلّ قدرة الإنسان على العيش في “اللحظة الراهنة”. فمن ينتظر الانفجار الكبير، يتوقف غالباً عن بناء الأشياء الصغيرة. وهنا تبدأ أولى خطوات الغرق في العدمية وفقدان المعنى.

​الهروب إلى الذات: ليس عزلة بل ترميماً

​حين تضيق الخيارات الخارجية، يصبح “الهروب إلى الذات” هو الخيار الاستراتيجي الوحيد المتبقي. هذا الهروب ليس انسحاباً من المسؤولية أو استسلاماً للواقع، بل هو رحلة استكشافية للداخل لإعادة ترتيب الفوضى. إن “الذات” هي الحصن الوحيد الذي لا يمكن للحروب العالمية ولا للنزاعات الأسرية أن تهدمه ما لم يفتح المرء أبوابه لها طواعية.

​ويتجسد هذا الهروب في خطوات عملية:

​بناء “جزيرة السلام” الخاصة: وهي مساحة من الوقت والنشاط لا يسمح فيها الفرد لأي صراع (سواء كان دولياً أو عائلياً) بالدخول إليها. قد تكون كتابة، أو تأملاً، أو عملاً إبداعياً يعيد للفرد شعوره بالسيطرة.

​فك الارتباط العاطفي بالصراعات البعيدة: الاهتمام بمصير البشرية نبيل، لكن الغرق في تفاصيل الحروب التي لا نملك تغيير مسارها يستنزف طاقتنا التي نحتاجها لإصلاح شؤوننا القريبة.

​إدارة المسافات الأسرية: في البيوت المضطربة، يصبح “الصمت الواعي” و”الابتعاد التكتيكي” وسيلة لحماية الروح من الاستنزاف اليومي.

​خاتمة: البقاء للأكثر اتزاناً

​إن المفر ليس في الهجرة إلى بلد آخر، فقد يهرب المرء من حرب جغرافية ليجد نفسه في خضم حرب اقتصادية أو اجتماعية أخرى. المفر الحقيقي هو في استعادة “السيادة” على العقل والمشاعر.

​في عالم يقف على حافة الهاوية، يظل الشخص الذي استطاع بناء “سلام داخلي” هو الوحيد القادر على الرؤية بوضوح وسط الغبار. الهروب إلى الذات هو الفعل الأكثر شجاعة اليوم؛ لأنه يعني ببساطة: “لن أسمح لهذا العالم المجنون، ولا لهذه البيئة المضطربة، أن تسرق مني إنسانيتي وهدوئي”.

 

مقالات ذات صلة