منوعات

الهوية المصرية فعل لا شعار

الهوية المصرية فعل لا شعار

بقلم: محمود جاب الله 

 

لطالما كانت الهوية المصرية لغزاً يحير العالم، فهي هوية لا تموت. احتلها الهكسوس فمصرتهم، وجاءها الرومان فانصهروا فيها، ومر عليها العرب فصارت قلب العروبة النابض. هذه ليست صدفة تاريخية، بل هي عبقرية مكان وشعب صنع حضارة استمرت سبعة آلاف عام لأنها لم تكن يوماً مجرد كلام.

 

لكن الخطر الحقيقي على أي هوية لا يأتي من الخارج، بل يأتي عندما تتحول من فعل يومي إلى شعار نرفعه في المناسبات.

 

نحن اليوم أمام مفترق طرق، فالجيل الجديد يتعرض لأكبر عملية غسيل وعي في التاريخ. شاشة صغيرة في يده تجعله يعيش في ثقافة أخرى، يأكل بثقافة أخرى، ويحلم بثقافة أخرى، ثم نتساءل لماذا يشعر بالاغتراب في وطنه؟ المشكلة ليست في الشاشة، المشكلة أننا تركنا له الماضي كقصص يحفظها، ولم نقدم له الحاضر كمشروع يؤمن به.

 

الهوية المصرية كانت دائماً فعلاً، ولم تكن أبداً شعاراً.

 

حين بنى المصري القديم الهرم، لم يكن يرفع شعاراً، كان يمارس إيمانه بالخلود والإتقان. وحين حفر قناة السويس بدمائه، ثم عبرها بدمائه ليستردها، لم يكن يردد كلاماً، كان يدافع عن شريان حياته. وحين خرج الفلاح المصري ليطعم العالم من طمي النيل، كان يطبق أقدم هوية عرفها الإنسان: هوية العمل والارتباط بالأرض.

 

واليوم، ما هي الأفعال التي تصنع هويتنا؟

 

الهوية المصرية فعل إتقان، في زمن أصبحت فيه ثقافة “مشي حالك” هي السائدة. أن تتقن عملك كموظف، كطبيب، كمهندس، كسائق، هو قمة الوطنية، لأن الوطن لا يبنى بالأناشيد بل بالجهد.

 

الهوية المصرية فعل نظام، في شارع مزدحم وفوضى مرورية. أن تحترم إشارة المرور وتحترم دور الآخر هو احترام ضمني لفكرة الدولة نفسها.

 

الهوية المصرية فعل لغة، أن نعتز بلهجتنا المصرية التي يفهمها كل العرب، وأن نحافظ على لغتنا العربية دون أن نخجل من تراثنا، ودون أن ننغلق عن لغات العصر التي هي أدوات القوة.

 

الهوية المصرية فعل انتماء، أن ندافع عن جيشنا ومؤسساتنا، ليس دفاعاً عن أشخاص، بل دفاعاً عن كيان عمره آلاف السنين، عرف مبكراً معنى الدولة المركزية قبل أن تعرفها البشرية.

 

إن الأهرامات لم تحفظ نفسها بنفسها، بل حفظها شعب آمن أن له رسالة. واليوم، الحفاظ على الهوية لا يكون بإضافة مادة في المناهج فقط، بل بجعل المدرسة نفسها نموذجاً للهوية: نظيفة، منظمة، عادلة.

 

ولا يكون بالخطب الرنانة في التلفزيون، بل بجعل المصنع والمزرعة ومركز البحث العلمي هي المعابد الجديدة التي تمارس فيها الوطنية.

 

مصر لا تحتاج من أبنائها أن يقولوا “تحيا مصر” بأصوات عالية، بقدر ما تحتاج أن يقولها كل واحد فينا بعمله بصوت صامت ومتقن.

 

فالأمم التي اكتفت بالكلام عن ماضيها، أصبح ماضيها هو كل ما تملك. أما الأمم التي جعلت من ماضيها وقوداً لحاضرها، فقد صنعت مستقبلها.

 

هويتنا باقية، لأنها ليست كلمات محفوظة في كتب التاريخ، بل هي دماء تجري في عروقنا، وتظهر كل يوم في فعل صغير.. يبني وطناً.

مقالات ذات صلة