الوطن الذي يحملني لم أكن أحمل وطني في حقيبة حين غادرت... كان هو الذي يحملني في أعماقه.... وكانت المسافة بيني وبينه أطول من أن تقيسها الطرق... وأضيق من أن تتسع لها الروح. غادرتُ.. لكنني لم أخرج منه فكيف يخرج المرء من شيءٍ يسري في دمه؟ وكيف يخلع أرضًا نبتت جذورها في قلبه.... وصارت جزءًا من تكوينه الأول؟ تركتُ خلفي بيتًا يعرف وقع خطاي... ونافذةً اعتادت أن تستقبل الصباح بملامحي..... وبابًا ما زال يحتفظ بأثر يدي.... وشارعًا صغيرًا كان يتسع لأحلامي كلها..... ورائحة خبزٍ كانت تعيدني إلى طفولتي كلما مرّت في الهواء. تركتُ أشياء لا يراها العابرون شيئًا..... لكنها في ميزان قلبي كانت وطنًا بأكمله..... صوت أمي حين تناديني دعاء أبي الذي كان يسبق خطاي.... ضحكةً قديمة عند عتبة الدار.... وأسماءً ما زالت تسكن الأماكن وإن غاب أصحابها. ومنذ الرحيل... عرفت أن الغربة ليست أن تنام بعيدًا عن أرضك.... بل أن تستيقظ فلا تجد في الأشياء من يناديك باسمك الأول. أن تمضي بين الوجوه ولا يعرف أحد كيف تبتسم حين تكون سعيدًا.... ولا كيف تصمت حين يفيض الحنين.... أن تبحث عن ملامحك في المرايا فلا تجد إلا وجهًا أتعبته المسافات... وأن تظل في داخلك إنسانًا يقف عند باب بيتٍ لم يعد إليه. ومع ذلك..... لم أكن يومًا بلا وطن... فأنا أحمله في لغتي... في نبرة صوتي حين أذكر أسماء الأماكن.... في دعائي حين يمرّ طيف أمي.... وفي تلك الرجفة الخفية التي تصيب قلبي كلما سمعت نشيدًا أو رأيت رايةً ترفرف في البعيد. وطني ليس حدودًا مرسومة على ورق، ولا خارطةً تتغير ألوانها باختلاف العابرين. وطني هو الذاكرة التي لا تشيخ.... والجذور التي لا تراها العيون... والانتماء الذي لا يحتاج إلى شاهدٍ أو برهان. ولو خُيّرت أن أحمل من وطني ثلاثة أشياء.... لحملتُ صوت أمي كي لا يضيع مني الطريق.. . ومفتاح البيت كي تظل العودة ممكنة.. وقبضةً من ترابه لأضعها قرب قلبي.... لا لأن التراب وحده يصنع وطنًا... بل لأن فيه شيئًا من الذين أحببتهم..... وشيئًا من طفولتي...... وشيئًا مني. ولعل أصعب ما في الرحيل أنك لا تعود إلى المكان وحده... بل تعود باحثًا عن نفسك التي تركتها هناك.... فقد يتغير البيت ...وتغيب الوجوه... وتشيخ الشوارع لكن شيئًا في الروح يظل واقفًا عند العتبة. ينتظر عودةً لا يعرف متى تأتي. يا وطني... لم أعد أسألك متى أعود.. فأنا أعرف أن بعض المسافات لا تختصرها الرحلات.... وأن بعض الأبواب لا تفتحها المفاتيح... لكنني أسألك أن تبقى في داخلي كما كنت.... ألا تأخذ الغربة من ذاكرتي ملامحك.... وألا تعلّم قلبي لغةً تنسيني لغتي. فأنا لستُ امرأةً غادرت وطنها أنا وطنٌ صغير يمشي على قدمين... في داخله بيتٌ لم يهدمه الغياب. وأمٌّ لا يزال صوتها يضيء العتمة..... وأبٌ لم يغب دعاؤه.... وأرضٌ كلما ابتعدتُ عنها ازدادت في أعماقي اتساعًا. لقد أدركت أخيرًا أن الوطن لا يسكن المكان وحده... بل يسكننا نحن... وأنني مهما حملت من حقائب... ومهما تبدّلت العناوين.... سأظل أحمل وطني في قلبي... فهو الوطن الذي لم يتّسع له الرحيل.... لأنه كان أكبر من الغياب. وأعمق من المسافة وأبقى من العمر. د.هدى عبده