الَّتِي لَمْ أَكُنْهَا صافَحْتُ رَجُلًا قالَ إنَّهُ يَعْرِفُنِي مُنْذُ أَعْوامٍ. ابْتَسَمَ بِثِقَةٍ لا يَمْلِكُها إلَّا الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ لا تُخْطِئُ. حَدَّثَنِي عَنِ امْرَأَةٍ كانَتْ تَضْحَكُ كَثِيرًا، وَتُخْفِي وَجَعَها بِبَراعَةٍ، وَتُؤْمِنُ أَنَّ الغَدَ يَحْمِلُ دائِمًا فُرْصَةً أُخْرَى. أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا... ثُمَّ الْتَفَتُّ أَبْحَثُ عَنْها بَيْنَ مَلامِحِي، فَلَمْ أَجِدْها. وَفِي مَساءِ اليَوْمِ نَفْسِهِ، الْتَقَيْتُ امْرَأَةً أُخْرَى، احْتَضَنَتْنِي باكِيَةً، وَقالَتْ: «اشْتَقْتُ إِلَى قَلْبِكِ الطَّيِّبِ.» ابْتَسَمْتُ لَها بِحَيْرَةٍ... لِأَنَّنِي لَمْ أَتَذَكَّرْ مَتَى كُنْتُ طَيِّبَةً إِلَى هَذَا الحَدِّ. وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَدَأْتُ أَلْتَقِي بِنِساءٍ يَحْمِلْنَ اسْمِي. إِحْداهُنَّ شُجاعَةٌ. وَأُخْرَى لا تَعْرِفُ سِوَى الخَوْفِ. وَثالِثَةٌ لا تَكُفُّ عَنِ الضَّحِكِ. وَرابِعَةٌ لَمْ تَفْعَلْ فِي حَياتِها سِوَى البُكاءِ. وَكُلَّما نَظَرْتُ فِي وُجُوهِهِنَّ... اكْتَشَفْتُ أَنَّهُنَّ جَمِيعًا أَنَا... وَلَمْ تَكُنْ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَنَا كامِلَةً. لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ أَيَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ عاشَتْ حَياتِي... وَلا أَيُّهُنَّ اخْتَلَقَتْها ذاكِرَةُ الآخَرِينَ. كُنْتُ كُلَّما غادَرْتُ شَخْصًا، ظَنَنْتُ أَنَّنِي تَرَكْتُ وَراءِي حَدِيثًا عابِرًا، أَوْ ضَحْكَةً يَتِيمَةً، أَوْ ذِكْرَى سَتَبْهَتُ مَعَ الوَقْتِ. لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي، فِي كُلِّ وَداعٍ، كُنْتُ أَتْرُكُ امْرَأَةً كامِلَةً. امْرَأَةً لا تَشِيخُ... وَلا تَكْبَرُ... وَلا تَعْرِفُ عَنِّي شَيْئًا سِوَى اللَّحْظَةِ الَّتِي وُلِدَتْ فِيها داخِلَ قَلْبٍ ما. لِهَذا، كانَ كُلُّ مَنْ يَلْتَقِينِي يُحَدِّثُنِي عَنْ امْرَأَةٍ لا أَعْرِفُها. واحِدٌ يَراها قَوِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ انْكِسارِي. وَآخَرُ يَصِفُها بِالضَّعْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا سُقُوطَها. وَثالِثٌ يُقْسِمُ أَنَّها لا تَخافُ شَيْئًا... بَيْنَما ما زِلْتُ أَتَذَكَّرُ لَيالِيَ كُنْتُ أَرْتَجِفُ فِيها مِنْ فِكْرَةِ الغَدِ. وَحِينَ حاوَلْتُ أَنْ أَجْمَعَ تِلْكَ النِّساءِ فِي امْرَأَةٍ واحِدَةٍ... اكْتَشَفْتُ أَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي فِي أَماكِنَ لَمْ أَعُدْ أَعِيشُ فِيها. فَأَنَا لَمْ أَكُنْ أُقِيمُ فِي ذاكِرَتِي وَحْدَها... بَلْ كُنْتُ أَسْكُنُ ذاكِرَةَ كُلِّ مَنْ مَرَّ بِي، ثُمَّ غادَرْتُهُ، تارِكَةً عِنْدَهُ نُسْخَةً لا تَعْرِفُ أَنَّ الزَّمَنَ مَضَى بَعْدَها. تَوَقَّفْتُ أَخِيرًا عَنْ سُؤالِ النَّاسِ مَنْ كُنْتُ. فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ كانَ يُجِيبُ عَنْ نَفْسِهِ... لا عَنِّي. كانَ يَرانِي مِنْ نافِذَتِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى البَيْتَ كُلَّهُ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كاذِبًا... لَكِنَّ الحَقِيقَةَ كانَتْ أَكْبَرَ مِنْ ذاكِرَةٍ واحِدَةٍ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الإِنْسانَ لا يَتْرُكُ أَثَرَهُ فِي الطُّرُقاتِ الَّتِي يَمْشِيها... بَلْ فِي العُيُونِ الَّتِي نَظَرَتْ إِلَيْهِ. وَأَنَّنا، مُنْذُ وِلادَتِنا، نَكْتُبُ نُسَخًا مِنْ أَنْفُسِنا فِي قُلُوبِ الآخَرِينَ، ثُمَّ نَمْضِي قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ ماذا كُتِبَ عَنَّا. وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ... لَمْ أَعُدْ أَسْأَلُ أَحَدًا: هَلْ تَتَذَكَّرُنِي؟ بَلْ كُنْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي فِي صَمْتٍ: أَيَّةُ امْرَأَةٍ سَتَرْحَلُ مَعَهُ هَذِهِ المَرَّةَ؟ فلم أعد أبحث عن المرأة التي كنتُها. يكفيني أن أعرف أنّني لم أكن امرأةً واحدةً يومًا. كنتُ مدينةً صغيرةً... كلُّ من عبرها، أخذ شارعًا معه. ولهذا، كلّما حاولتُ العودة إلى نفسي... وجدتُ الخرائط ناقصة.