المقالات والسياسه والادب
بين نبل التسامح ووهم الضعف: حينما يسيء الآخرون قراءة الصمت

بقلم: د.ذكاء رشيد
في أدبيات التعامل الإنساني، يُنظر إلى العفو والصفح بوصفهما ذروة السنام في مكارم الأخلاق، وهما صفتان لطالما ارتبطتا بالقوة والترفع. إلا أن الواقع الاجتماعي المعاصر يفرز ظاهرة غريبة تضع “المتسامح” في موقف المتهم بضعف الشخصية أو فقدان الكرامة، خاصة عندما يصدر هذا التسامح عن رغبة صادقة في الحفاظ على الروابط الإنسانية وتجاوز صغائر الأمور.
سوء الفهم: العفو كـ ثغرة وليس منحة
المشكلة الحقيقية لا تكمن في فعل التجاوز بحد ذاته، بل في “عقلية المتلقي”. ففي كثير من الأحيان، يميل الطرف الآخر إلى تفسير صمت الحليم وتجاوزه المتكرر على أنه عجز عن المواجهة، أو حاجة ماسة للبقاء في دائرة العلاقة مهما كان الثمن. هذا النوع من القصور الذهني يحوّل التسامح من جسر للعبور إلى مادة للاستقواء، مما يدفع الطرف المعتدي إلى التمادي ظنّاً منه أن الطريق أمامه سالك بلا عواقب.
الكرامة الصامتة.. كبرياء لا يراه الغافلون
إن ما يغيب عن أذهان هؤلاء هو أن الشخص الذي يملك القدرة على العفو هو نفسه الذي يملك القدرة على “البتر”. التجاوز هنا ليس غفلة عما يدور، بل هو “صناعة معروف” يقدمها الكريم لذاته أولاً ليظل في منأى عن وحل المهاترات.
إن “الكرامة” في جوهرها ليست ضجيجاً أو صراخاً لإثبات الذات، بل هي حدود معنوية يرسمها المرء بصبره. وحين يُظن أن هذه الكرامة قد تلاشت خلف رداء الصفح، تأتي لحظة الحقيقة التي يدرك فيها المتمادون أن الصدر الذي اتسع لزلاتهم هو نفسه الذي سيتسع لغيابهم الأبدي.
المنعطف الأخير: متى يتحول الصفح إلى انتحار معنوي؟
يؤكد خبراء الاجتماع أن الاستمرار في العفو لمن لا يقدر قيمته هو نوع من “الاستنزاف الذاتي”. فالنبل الحقيقي يتطلب وقفة حازمة حين يمس الأمر الجوهر الإنساني. إن القول “تجاوزت حتى ظنوا أني لا كرامة لي” هو إعلان عن بلوغ نقطة الصفر ..وهي المرحلة التي يقرر فيها الإنسان استعادة هيبته، ليس بالانتقام، بل بالترفع النهائي والانسحاب الذي يترك خلفه فراغاً لن يملأه اعتذار متأخر.



