جَفَّ حِبْرُ حِكَايَاتِي بقلم الكاتبة إيمان نجار

جَفَّ حِبْرُ حِكَايَاتِي
بقلم الكاتبة إيمان نجار
جَفَّ حِبْرُ حِكَايَاتِي…
لَا لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ فَقِيرَةٌ،
بَلْ لِأَنَّ وَجَعِي صَارَ أَعْمَقَ مِنْ أَنْ يُكْتَبَ.
أَنَا كَالْجَبَلِ…
أُجِيدُ وَقُوفِي فِي وَجْهِ الْعَوَاصِفِ،
وَأُتْقِنُ التَّمَاسُكَ وَأَنَا أَنْهَدِمُ فِي سِرِّي.
أَحْمِلُ السَّمَاءَ عَلَى كَتِفَيَّ،
وَأَتَصَرَّفُ كَأَنَّ الْإِجْهَادَ لَا يَعْنِينِي،
وَفِي دَاخِلِي… قَارَّةٌ تَتَشَقَّقُ بِصَمْتٍ.
مَا مِنْ أَحَدٍ يَرَى الزَّلَازِلَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي عِرُوقِي،
وَلَا يَسْمَعُ انْهِمَارَ الْجُدْرَانِ حِينَ تَسْقُطُ فِي صَدْرِي.
أَنَا لَا أَصْرُخُ…
لَا لِأَنِّي قَوِيٌّ،
بَلْ لِأَنَّ الصُّرْاخَ تَرَفٌ لِمَنْ مَا زَالَ يَمْتَلِكُ شَيْئًا يَنْكَسِرُ.
فِي دَاخِلِي صَبْرٌ مُتَحَجِّرٌ،
يَأْكُلُ نَفْسَهُ بنَفْسِهُ،
وَيُقِيمُ فِي مَمَالِكِ الْاِنْتِظَارِ كَأَنَّهُ لُعْنَةٌ قَدِيمَةٌ لَا تَشِيخُ.
كَمْ إِعْصَارٍ مَرَّ بِي وَأَكْمَلْتُ وَقُوفِي؟
كَمْ مَرَّةً سَقَطْتُ دَاخِلِيًّا…
وَتَصَرَّفْتُ خَارِجِيًّا كَأَنَّنِي لَمْ أَخْسَرْ شَيْئًا؟
أَنَا ذَلِكَ الْجَبَلُ الَّذِي يَتَصَدَّعُ بِلَا صَوْتٍ،
وَيَدْفِنُ أَشْلَاءَهُ فِي أَعْمَاقِهِ،
ثُمَّ يَبْتَسِمُ لِلْأُفُقِ كَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ ألفَ مَرَّةٍ.
جَفَّ حِبْرُ حِكَايَاتِي…
لِأَنَّ وَجَعِي تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ صَامِتًا،
وَلِأَنَّ بَعْضَ الْإنْهِزَامَاتِ…
أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُرْوَى.
وَمَعَ ذَلِكَ…
سَيَأْتِي يَوْمٌ لَا تَحْدُثُ فِيهِ زِلْازلَ،
لَا عَوَاصِفَ، لَا اِنْهِيَارَاتٍ، لَا صُرَاخ.
سَيَأْتِي يَوْمٌ يَقِفُ فِيهِ الْجَبَلُ هَادِئًا…
هَادِئًا جِدًّا.
لَا لِأَنَّهُ تَشَافَى،
بَلْ لِأَنَّهُ اِنْتَهَى.
سَتَبْقَى قِمَمُهُ فِي مَكَانِهَا،
وَلَكِنْ… لَنْ يَبْقَى شَيْءٌ فِي الدَّاخِل.
لَا صَدْعٌ، لَا أَلَمٌ، لَا حَتَّى فَرَاغ.
سَيَكُونُ جَبَلًا… مَيْتًا،
يَقِفُ كَمَا تَقِفُ الْقُبُورُ:
لَا تَسْقُطُ،
وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تَصْمُدَ.
وَعِنْدَهَا…
لَنْ يَجِفَّ حِبْرُ حِكَايَاتِي فَقَط،
بَلْ سَيَجِفُّ مَعَهُ كُلُّ مَا كَانَ يُسَمِّينِي إِنْسَانًا.


