المقالات والسياسه والادب
حين يتحول الحجاب إلى عائق أمام التعليم أذربيجان تستعيد مشهدًا من ذاكرة تركيا

بقلم: نور شاكر
شاهدت مسلسلًا تركيا يجسد مرحلة من الظلم الذي تعرضت له نساء محجبات، حين تحول الحجاب إلى حاجز يفصل بينهن وبين مقاعد الدراسة، وحين وجدت بعض الطالبات أنفسهن أمام خيار قاس: إما أن يتخلين عن جزء من قناعتهن الدينية، وإما أن يتخلين عن أحلامهن الجامعية
كان المسلسل يستعيد حقبة من تسعينيات القرن الماضي في تركيا، حين فرضت القيود المرتبطة بالعلمانية، وخصوصًا بعد تدخل المؤسسة العسكرية عام 1997، واقعًا صعبًا على طالبات محجبات منعن من دخول الجامعات أو متابعة دراستهن بسبب غطاء الرأس.د
كنت أتابع المشاهد وأظن أنني أشاهد حكاية من زمن مضى، صفحة مؤلمة طويت من تاريخ الصراع بين السلطة والحرية، وأن تلك الفتيات اللواتي وقفن خلف أبواب الجامعات المغلقة لن يحتجن إلى إعادة رواية مأساتهن في مكان آخر
لكنني اليوم أجدني أمام مشهد يعيد إلى الذاكرة تلك الحكاية، وهذه المرة في أذربيجان
فقد أثارت القيود الجديدة المتعلقة بلباس الطالبات والعاملات في المدارس الأذربيجانية، في خريف عام 2026، احتجاجات بعد أن أفادت تقارير بمنع بعض المحجبات من دخول المؤسسات التعليمية، استنادًا إلى قواعد تقدم تحت عنوان العلمانية. وهكذا عاد السؤال الذي ظننا أنه أصبح من أسئلة الماضي: هل يمكن أن يصبح الحجاب سببًا في حرمان فتاة من حقها في التعلم؟
أي علمانية هذه التي يقاس فيها حضور الطالبة بما ترتديه، لا بما تحمله من عقل وطموح؟
إن العلمانية، في مفهومها المتعلق بحياد الدولة تجاه الأديان، لا تستلزم بالضرورة إقصاء المظاهر الدينية من حياة الأفراد، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لفرض نمط واحد من المظهر على الجميع. فثمة فرق بين دولة لا تفرض دينًا على مواطنيها، ودولة تجعل من إخفاء انتمائهم الديني شرطًا للوصول إلى المعرفة
فالمدرسة ليست ساحة لإعادة تشكيل ضمائر الطالبات، والجامعة ليست مكافأة تمنح لمن يتخلى عن قناعاته. إنهما فضاءان للعلم، ومكانان تتسع فيهما العقول للاختلاف، وتصان فيهما كرامة الإنسان دون تمييز
وإذا كانت الدولة تحرص على حياد مؤسساتها التعليمية، فإن الحياد ينبغي ألا يتحول إلى مطالبة الطالبة بأن تتخلى عن مظهر ديني تختاره لنفسها، ما دام لا يخل بمتطلبات تعليمية مشروعة. فحياد المؤسسة شيء، وإجبار الفرد على محو علاماته الدينية شيء آخر
المؤلم في هذه القضية ليس قطعة القماش التي تغطي الرأس، بل الباب الذي قد يغلق بسببها أمام مستقبل فتاة
تخيلوا طالبة تستيقظ كل صباح وهي تحمل كتبها وأحلامها، تتطلع إلى مقعدها الدراسي، وتحلم بأن تصبح طبيبة أو مهندسة أو معلمة أو باحثة تسهم في بناء مجتمعها. ثم تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة سؤال لا علاقة له بقدرتها على الفهم أو التفوق: هل ستدخل المدرسة بحجابها أم ستحرم من الدرس؟
أي ذنب ارتكبته هذه الطالبة؟ وهل أصبح التميز العلمي مشروطًا بالتخلي عن القناعة الشخصية؟ وهل يعقل أن تفتح أبواب التعليم أمام فتاة، ثم تغلق في وجه أخرى لأن مظهرهما مختلف؟
إن حرمان الفتيات من التعليم لا ينتقص من أحلامهن وحدهن، بل ينتقص من المجتمع بأكمله. فكل فتاة تحرم من مقعدها الدراسي قد تكون مشروع عالمة أو مهندسة أو مربية أو صاحبة أثر إنساني كبير. وحين يقصى العقل بسبب المظهر، يخسر المجتمع طاقة كان يمكن أن تسهم في تقدمه وازدهاره
ولا يعني الدفاع عن حق المحجبات في التعليم فرض الحجاب على غير المحجبات، كما لا يعني احترام حرية غير المحجبة مطالبة المحجبة بالتخلي عنه. فالحرية لا تكون حرية حين تمنح لطرف وتسلب من طرف آخر، ولا تكون المساواة بإجبار النساء جميعًا على اتخاذ المظهر نفسه، بل بضمان حق كل واحدة منهن في الاختيار ضمن إطار القانون واحترام حقوق الآخرين
لسنا أمام معركة بين الحجاب والعلم، ولا ينبغي أن نسمح بتحويل المدارس إلى ساحات للصراع الأيديولوجي. نحن أمام سؤال يتعلق بكرامة الإنسان، وحدود سلطة الدولة، ومعنى العدالة حين تتعارض القواعد العامة مع حرية المعتقد والتعبير عنه
ومن هنا، فإن ما يحدث في أذربيجان يستحق أن يناقش بجدية، بعيدًا عن التهويل والتعميم، وبالاستناد إلى الوقائع والقوانين والحقوق الأساسية. فالمطلوب ليس استبدال إقصاء بإقصاء، ولا الانتقاص من حق أي امرأة في اختيار مظهرها، وإنما حماية حق الجميع في التعليم دون تمييز
لقد شاهدت في ذلك المسلسل التركي وجوهًا لنساء حملن أحلامهن إلى أبواب الجامعات، ثم عدن وهن يحملن وجع الحرمان، على الرغم انها لم تكن مجرد دراما بل كانت تجسيد لواقع قد عاصرته تركية في وقت ما
واليوم، حين أقرأ عن طالبات وعاملات في أذربيجان يواجهن قيودًا بسبب الحجاب، أشعر أن بعض مشاهد التاريخ لم تغادر الشاشة كما ظننا، بل وجدت طريقها إلى واقع جديد
وكم هو مؤلم أن تعيد فتاة معاصرة تجربة فتاة سبقتها بعقود، وأن تضطر إلى الدفاع عن حقها في الدراسة في زمن يفترض أن المعرفة فيه أصبحت حقًا أصيلًا، لا امتيازًا مشروطًا بالمظهر
إن الدول لا تتقدم بإغلاق أبواب مدارسها أمام الفتيات، ولا تثبت حيادها بإقصاء من يختلف عن الصورة التي تفضلها، بل تتقدم حين تجعل من التعليم حقًا مصونًا، ومن القانون ضمانة للعدالة، ومن الاختلاف مساحة للتعايش
فلا تجعلوا الحجاب جدارًا بين الفتاة وكتابها، ولا تحولوا المدرسة إلى بوابة لا تعبرها إلا من تتشابه مع الآخرين
دعوا الفتيات يتعلمن، ودعوا العقول تنمو، ودعوا لكل امرأة حقها في أن تكون كما تؤمن وتختار، دون أن تدفع ثمن ذلك من مستقبلها
فالعلم لا يسأل الطالبة عما يغطي رأسها، بل عما يسكن عقلها. والعدالة لا تقاس بقدرة السلطة على توحيد المظاهر، بل بقدرتها على حماية الحقوق
وما نريده من عالم يرفع شعارات الحرية والمساواة ليس أن يتفق الناس جميعًا في معتقداتهم أو ملامحهم، بل أن يختلفوا دون أن يحرم أحدهم من حقه في المعرفة
فالمدرسة التي تغلق أبوابها في وجه فتاة بسبب حجابها، لا تحرم فتاة واحدة من درس فحسب، بل تضع أمام المجتمع كله سؤالًا كبيرًا عن معنى الحرية، وحدود العلمانية، وكرامة الإنسان.



