حين يتحوّل الإعلام إلى عينٍ إضافيّة للعدو في الحروب، لا تُقاسُ الخسائر بعدد الصواريخ فقط، بل بعدد الأخطاء التي تُرتكب باسم “السبق الصحفي”، وبكمّية الصور التي تُنشر بلا وعي، وبعدد المرّات التي يتحوّل فيها بعض الإعلام، من دون قصد، إلى دليلٍ ميدانيّ مجانيّ للعدو. في كلّ عدوانٍ على الجنوب، نرى المشهد ذاته يتكرّر: كاميراتٌ تركض قبل سيارات الإسعاف، وهواتف تبثّ مباشرةً مواقع القصف، وتفاصيل تُنشر بالدقيقة والثانية، كأنّ المعركة برنامجٌ تلفزيوني، لا أرواح ناسٍ تحترق تحت الركام. العدو لا يحتاج دائماً إلى جواسيس محترفين، أحيانًا يكفيه بثٌّ مباشرٌ مرتبك، أو صورةٌ التُقطت بدافع “التغطية”، ليعرف ما يريد معرفته. وحين تُنشر مواقع الاستهداف فورًا، وتُصوَّر الطرقات والتحرّكات وأماكن التجمعات، فإنّ بعض الإعلام ــ عن جهلٍ أو تهوّر ــ يساهم في منح العدو رؤيةً أوضح، ويشاركه، بطريقةٍ غير مباشرة، في صناعة الأذى. المؤلم أكثر، أنّ كلّ ما يخصّ العدو يُضخَّم ويُعاد نشره آلاف المرّات، بينما أخبار الصمود والمقاومة تبقى خافتة، أو تُهمَل، أو تُقدَّم بخجلٍ بارد، كأنّ المطلوب من الناس أن تعيش الخوف وحده، من دون أي نافذة تطمئنها أنّ هناك من يدافع عنها، ومن يقف في وجه النار. الشعوب في الحروب تحتاج الحقيقة، نعم، لكنها تحتاج أيضًا شيئًا من المعنويات، شيئًا يذكّرها أنّها ليست متروكة، وأنّ الدم الذي يُسفك ليس بلا ردّ، ولا بلا كرامة. ليس المطلوب إعلامًا كاذبًا، ولا خطاباتٍ فارغة، بل قليلًا من المسؤولية الوطنية. أن يفهم البعض أنّ الصورة قد تقتل، وأنّ المعلومة في زمن الحرب ليست تفصيلًا عابرًا، بل قد تكون إحداثيةً لصاروخٍ جديد. الوطن لا يحميه السلاح وحده، بل يحميه أيضًا الوعي. وعيُ الكلمة، وعيُ الصورة، وعيُ ما يجب أن يُقال… وما يجب أن يبقى صامتًا لأجل الناس. وفي زمنٍ صار فيه الهاتف أقوى من الرصاصة أحيانًا، بات الصمت الحكيم مقاومة، وباتت حماية الحقيقة من التهوّر شكلًا آخر من أشكال الدفاع عن الأرض.