المقالات والسياسه والادب

حين يجيء اللقاء بقلمي هدى عبده

حين يجيء اللقاء

تعالَ يا قرة عيني،

فقد أتعبَ البعدُ قلبي، وأرهقَ الانتظارُ ملامحَ أيامي،

تعالَ نُسقطُ عن أرواحنا معاطفَ الشتاءِ،

ونُشعلُ بين ضلعينِ دفءَ الحكاية.

تعالَ يا رجلي،

فأنا امرأةٌ لم تعد تُجيدُ الوقوفَ على شاطئ الانتظار،

أريدُ أن أراكَ لا كما ترسمُك المخيلة،

بل كما يليقُ بكَ في الحقيقة…

قريبًا، حتى يضيعَ بيننا السؤال:

أين انتهيتُ أنا؟ وأين ابتدأتَ أنت؟

تعالَ،

لأرسمَ على جسدِ المسافةِ وردةً من حنين،

لا يخيفُها خريفٌ،

ولا تُسقطُ أوراقَها رياحُ الغياب.

واكتب لي حرفًا واحدًا من عشقك،

ثم أتبعه بثلاثة أحرفٍ أخرى،

حتى تكتملَ على خارطةِ روحي

كلمةٌ واحدة:

أحبك.

ولا تسألني كيف استطاعت أربعةُ أحرفٍ

أن تختصرَ وطنًا بأكمله،

فبعضُ الكلماتِ حين تخرجُ من القلب

تصيرُ أعمارًا لا حروفًا.

تعالَ نفتحُ للقاءِ بابًا،

ونقصُّ شريطَ تاريخٍ لم تكتبه الأقلامُ بعد،

تاريخِ حبٍّ لا يعترفُ بالمستحيل،

ولا يخشى عيونَ المدينة،

ولا يسمحُ للثرثرةِ أن تكونَ قاضيًا على قلبين.

أريدُ لقاءً يبدأُ كما تبدأُ الحكاياتُ الجميلة:

نظرةٌ… فابتسامةٌ… فسَلامٌ… فكلامٌ… فموعدٌ… فلقاء.

ثم لا شيء بعد اللقاء

سوى قلبينِ نسيا كيف كانا يعيشانِ قبل أن يلتقيا.

تعالَ يا سيدي،

فأنا أنثاكَ التي أغلقتْ أبوابَها عن سواك،

واختارتْكَ من بين ألفِ وجه،

وحين داعبَ الشوقُ قلبَها،

لم تقلْ إلا ما يليقُ بعشقٍ تعرفُ حدوده:

معاذَ الله.

فالحبُّ عندي ليس نزوةً عابرة،

ولا وعدًا يُقالُ في لحظةِ ضعف،

بل عهدٌ إذا استقرَّ في القلب

صار أمانةً لا تُخان.

تعالَ،

فما ضرَّنا لو أبحرتُ في عينيكَ

حتى أفقدَ خارطةَ الطريق؟

وما ضرَّكَ لو تاهَ قلبُكَ في عينيَّ

حتى نسيتَ أين ينتهي الحلم

وأين تبدأُ الحقيقة؟

دعنا نُحطِّمُ حصونَ النوى،

ونهدمُ أسوارَ الغياب،

ونردمُ الخنادقَ التي حفرها البعدُ بيننا،

ونعلنُ اتحادَ شتاتينِ

فرّقتهما الأيامُ،

وجمعهما القلب.

وحين نلتقي،

لن يهمَّنا ما قالته نسوةُ المدينة،

ولا ما كتبته دفاترُ العاشقين،

ولا ما تناقلته الألسنةُ عن الحبِّ وأهله.

سيكفينا أن يعرفَ كلٌّ منا

أنه وصلَ أخيرًا إلى المكان

الذي ظلَّ قلبُه يبحثُ عنه طويلًا.

فأنا لم أعد أريدُ من العالمِ شيئًا،

إلا أن تقرأني أنت.

أن تقرأ ارتباكَ عيني،

وصمتَ شفتي،

وارتعاشةَ يدي،

والقصائدَ التي خبأتها طويلًا

بين أوراقي.

ها هي أقلامي،

وأوراقي،

ومحبرتي،

وكلُّ ما في داخلي من أبجدية،

أضعه بين يديكَ؛

فأنتَ وحدكَ تعرفُ كيف تجعلُ من الصمتِ قصيدة،

ومن الارتباكِ موسيقى،

ومن امرأةٍ عاشقةٍ

ديوانًا لا تنتهي صفحاته.

تعالَ،

ولتكن ليلتُنا أطولَ من كلِّ ليالي الانتظار،

لا نطلبُ من الفجرِ أن يعجلَ،

ولا من الوقتِ أن يرحمَنا،

فبعضُ اللقاءاتِ تستحقُّ أن يتوقفَ لأجلها الزمن.

وحين يلوحُ أولُ خيطٍ من الصباح،

سنبتسمُ للسماء،

ونقولُ معًا:

الآن حصحص الحق.

لقد جاءَ الذي انتظرناه،

وانتصرتْ قلوبُنا على المسافات،

وصدقَ الوعدُ بعد طولِ غياب،

وعرفتُ يومها

أن أجملَ انتصارٍ ليس أن نربحَ معركةً،

بل أن نصلَ أخيرًا

إلى مَن كان القلبُ قد اختاره

منذ البداية.

فيا رجلي…

إن جئتَ،

فلن أسألكَ لماذا تأخرتَ،

سأفتحُ لكَ بابَ قلبي،

وأقولُ فقط:

تعالَ…

فقد طالَ بي انتظارُك،

وحانَ الآن

أن يبدأَ العمر.

د.هدى عبده 🖋

مقالات ذات صلة