المقالات والسياسه والادب

حين يسبق الحب النظر.. بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

حين يسبق الحب النظر

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

أحببتها قبل أن ألتقيها، فهل يُعقل أن أفقدها قبل رؤيتها؟

في حياة كل إنسان لحظات تتجاوز حدود المنطق، وتخترق جدران العقل لتستوطن في عمق القلب، وتعلن سيادتها على كل ما هو مألوف. من هذه اللحظات، ذلك الحب الذي يولد قبل اللقاء، قبل الكلمات، بل قبل أن تصبح ملامح المحبوبة جزءًا من الذاكرة.

“أحببتها قبل أن ألتقيها، فهل يُعقل أن أفقدها قبل رؤيتها؟”

عبارة لا تبدو غريبة لمن عرف الحب الصامت، لمن شعر بروحٍ تلامس روحه من بعيد، دون سابق معرفة، دون حتى مصافحة. هو ذاك الحب الذي لا يحتاج إلى دليل مادي، لأنه يستند إلى شعور داخلي عميق، ينبع من الإحساس بأن ثمة شخصًا في هذا العالم خُلق لك، حتى وإن لم تجمعكما الصدفة بعد.

في زمن السرعة والسطحية، يبقى هذا النوع من الحب نادرًا، بل أقرب إلى المعجزة، ولكنه موجود. قد تولد مشاعرنا تجاه شخص قرأنا له، أو سمعنا صوته، أو حتى لمحناه مرة واحدة فانبثقت شرارة لم تنطفئ، وقد نحب فكرة، خيالًا، أو روحًا شعرنا بها في تفاصيل الحياة من حولنا، ثم تتجسد تلك الروح في شخصٍ حقيقي ذات يوم، فنشعر وكأننا نعرفه منذ الأزل.

لكن السؤال المؤلم في هذا السياق هو؛ هل يُعقل أن نخسر هذا الحلم، قبل أن نعيشه؟ أن نفقد من أحببنا دون أن نمنح أنفسنا فرصة اللقاء؟

الإجابة مؤلمة، لكنها واقعية: نعم، قد يحدث، فالحياة لا تعد دائمًا منصفًة للأحلام. أحيانًا، نفقد أشياء لم نحصل عليها أصلًا، ونحزن على أناسٍ لم نعرفهم كما نريد، لكنهم احتلوا مساحة في قلوبنا كأنهم عاشوا معنا عمرًا كاملاً.

لكن في المقابل، يظل لهذا الحب معنى عميق، حتى إن لم يكتمل. فهو يعلّمنا كيف نحب بصدق، كيف نحترم مشاعرنا، وكيف نحلم بهدوء. الحب الذي يولد قبل اللقاء هو شهادة على نقاء الروح، وعلى قدرة الإنسان على الإيمان، حتى في غياب البرهان.

وأخيرا، فلا مندوحة من القول، إنني أحببتها قبل أن اراها، اعتقد انني لست ساذجًا ولا حالِمًا أكثر من اللازم، بل أنا إنسان يشعر من أعماقه ويتنفس من وجدانه. وإن فقدتها قبل أن تلمحها عيناي، فأنا على يقين أن ما زرعته في قلبي لن يذهب سُدى. ستبقى هذه التجربة جزءًا مني، بل وسأضل أنا من عرف المعنى الأعمق للحب… قبل أن يمر عبر العيون.

ومضة سامية:

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم

‏الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

‏ما كنت أول مشغوف بفاتنةٍ

‏يلقى بلقيانها روحًا وريحانا

‏يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

‏والأذن تعشق قبل العين أحيانا..

مقالات ذات صلة