في الأوطان المحترمة، حين يقترب الخطر من حدود البلاد، تتحرّك الدولة بكلّ مؤسساتها كجسدٍ واحد، لا تترك شعبها وحيدًا أمام النار، ولا تكتفي ببياناتٍ باردة تُقال أمام الكاميرات. أمّا هنا، ففي كلّ مرةٍ يُنزف فيها الجنوب، نشعر أنّ الوطن يُترك لمصيره، وأنّ الناس العاديين صاروا أكثر خوفًا على البلاد من الذين يجلسون على كراسيّ السلطة.
جنوب لبنان لم يعد يطلب المعجزات. لا يريد خطاباتٍ طويلة، ولا شعاراتٍ وطنية تُستهلك عند كلّ أزمة. كلّ ما يريده أن يشعر أنّ هناك دولة حقيقية تقف خلفه، لا دولة تختبئ خلف الصمت والتخاذل والحسابات السياسية الضيّقة.
كيف يمكن لبلدٍ كامل أن يعيش تحت التهديد، بينما المسؤولون يتصرّفون وكأنّ ما يحدث مجرّد خبر عابر؟
كيف يصبح القصف حدثًا يوميًا، والخوف عادةً، والناس وحدهم من يدفع الثمن؟
أيُّ دولةٍ هذه التي تتقن إصدار التصريحات أكثر من إتقان حماية شعبها؟
إنّ الكرامة الوطنية لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال في المؤتمرات، بل بقدرة الدولة على حماية أبنائها، وصون أرضها، والشعور بوجع الناس قبل أن يتحوّلوا إلى أرقامٍ في نشرات الأخبار.
المؤلم ليس فقط الخطر القادم من الخارج، بل ذلك الصمت الثقيل في الداخل… الصمت الذي يجعل المواطن يشعر أنّه متروكٌ وحده في مواجهة المجهول.
فالناس لا تريد بطولةً وهمية، بل تريد وطنًا لا يخذلها كلّما اشتدّ الخوف.
وحين تفقد الشعوب ثقتها بدولتها، يصبح الخطر أكبر من الحرب نفسها. لأنّ الوطن الذي لا يشعر أبناؤه بالأمان فيه، يبدأ بالسقوط من الداخل قبل أيّ شيء آخر.