المقالات والسياسه والادب

خطوات لن تنكسر

خطوات لن تنكسر

” لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الأرض ممهدة…” بتلك الكلمات بدأت

حديثي، وأنا أقف في صالون منزلنا بالإسكندرية؛ ذاك الصالون الذي تحوّل بين عشية

وضحاها إلى قاعة مهيبة تستقبل وفدًا من مركز المعلومات ودعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، جاءوا ليكرّموا مجلس إدارة ” صالون لمياء حمدي الثقافي “

لم يكن المكان قاعة كبيرة وفخمة كقاعة المؤتمرات، لكنه اكتسى في تلك اللحظة وقارًا خاصًا؛ المقاعد رُتِّبَتْ بعناية، والجو مشبع بصمت مهيب لا يقطعه سوى أنفاس الحضور الذين اجتمعوا رغم قيود وباء كورونا ليشهدوا هذا التكريم

كمامات تخفي أنصاف الوجوه، وعيون وحدها تنطق بالفخر والانتظار. لحظة صمت قصيرة حفّها الترقب، بدت أمام عينيّ كعمر كامل. هناك، بين الحضور، كان يجلس أبي – رحمه الله – لم تكن نظراته تراقبني فحسب، بل كانت تؤمن بي وبكل كلمة تستعد شفتاي لأن تنطقها. وعلى مقربة منه، كانت أمي، بابتسامتها الهادئة التي تحمل دعاءً صامتًا، وكأنها تقول لي بلا صوت: ” أكملي… نحن معك “

في الجانب الآخر جلس أعضاء مجلس إدارة الصالون، يترقبون ما سيأتي. نظرت إليهم؛ نصفهم تقريبًا لم يكن يعلم كم كان الطريق طويلاً، ولا كم كانت الدروب وعرة وشائكة حتى نصل إلى هذه اللحظة، ونحن نحمل دروع التكريم وشهادات التقديرعن فيلم وثائقي قدمته احتفالاً بذكرى العاشر من رمضان حيث كان يسرد بعض أحداث حرب أكتوبر التي عايشها والدي

أسميت الفيلم “العاشر من رمضان وحرب الست ساعات”… كان الاسم يختزن معنيين في آن واحد؛ حرب النصر التي دارت أحداثها في أكتوبر، ورحلتي أنا ووالدتي وقت جائحة كورونا. في ذروة الوباء، حين انطلقت رحلتنا الطويلة من منزلنا بمدينة العاشر من رمضان إلى منزلنا بالإسكندرية، ست ساعات لم تكن مجرد طريق، بل كانت معركة حقيقية يخيّم عليها صمت الشوارع الموحشة ورهبة الفراغ. كانت أنفاس الهواء مشبعة برائحة الكحول، وكأننا نستنشقه بدل الأكسجين، نحمل في حقائبنا زجاجاته كما يحمل الجنود ذخيرتهم. ارتدينا الكمامات بإحكام حتى كادت تخنق أنفاسنا، وغطت القفازات أيدينا كدروع هشة تحمينا من عدو لا يُرى. لم نجرؤ على لمس المقاعد أو مقابض الأبواب،

كان الخوف يتربص بنا مع كل نظرة عابرة من وجهٍ لا نعرف إن كان يحمل الموت في صمته أم لا. كل دقيقة بدت كأنها عمر كامل من الترقب، كأننا نسير في ساحة حرب

صامتة، لا يُسمع فيها سوى دقات القلوب. ست ساعات من التوتر واليقظة، انتهت أخيرًا بلحظة انتصار عظيمة؛ حين وصلنا إلى البيت سالمين، وكأننا عدنا من أرض المعركة نحمل بين أيدينا راية النجاة

التفتُّ بنظري إلى الجانب الآخر؛ كان يجلس أعضاء الوفد المكوَّن من عشرة أفراد. وجوهٌ نصفها حجبته الكمامات، والنصف الآخر أفصح عن مزيج غريب من الجديّة والامتنان. بدت ملامحهم ما بين من أرهقته الشهور العصيبة للوباء، ومن جاء يحمل في قلبه امتنانًا دفينًا للحظة تكريمنا. عيونهم كانت تلمع باهتمامٍ صادق، تتنقّل بين وجوهنا جميعًا، وكأنها تستقصي الحكاية التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة

كان في حضورهم صمتٌ رسميّ يشوبه دفء خفيّ؛ دفء لم تستطع الكمامات ولا البروتوكولات أن تخفيه، لكنه تسرّب إليّ كطمأنينةٍ صامتة وأنا أتهيأ لبدء الكلمة. خفضتُ بصري نحو الورقة بين يديّ، أستجمع ما تبقّى من أنفاسي، ثم رفعت رأسي وتابعت بصوتٍ ثابت

“لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الأرض ممهدة… كانت الدروب طويلة، تتناثر على جوانبها الأشواك، وتثقلها العثرات، وتخنقها لحظات الخوف تارة والحرص على النجاح تارة اخرى

كم مرة توقّفنا، وكم مرة تساءلنا إن كان الحلم يستحق كل هذا العناء، لكننا كنا نعود فنمسك بزمام الأمل ونواصل

إن صالون لمياء حمدي الثقافي لم يكن فكرة عابرة… لم يكن مجرد نشاط ثقافي نمارسه ثم نتركه، بل كان نافذة أمل فتحناها في جدار عالم ضاق بنا. من تلك النافذة أطللنا على الضوء، وسمحنا للكلمة أن تشفي القلوب، وللفن أن يحرر الأرواح، وللحب أن يزرع الحياة حيث ظنّ الناس أن الأرض قاحلة

اليوم، ونحن نقف في هذه اللحظة، ندرك أن كل خطوة في الطريق، بكل ما حملته من مشقة، لم تذهب هباءً. فها هو الحلم يقف أمامنا حيًّا، ملموسًا، يلبس ثوب الحقيقة، ويعكس في وجوهكم جميعًا معنى الانتصار الذي لم يكن يومًا سهلًا، لكنه كان يستحق كل شيء “”

ومع لحظة الصمت بعد الكلمة دوّى تصفيق ملأ صالون منزلنا، شعرت أن الصمت في داخلي هو الأصدق… صمت يضم كل التعب، وكل الخطوات التي أوصلتنا إلى هنا. لم أرَ في تلك اللحظة الوجوه ولا المقاعد، بل رأيت شريط الطريق كله يمر أمام عينيّ؛ أشواكه وانكساراته، ثم ضحكته الأخيرة وهو يسلّمنا إلى هذه اللحظة

حين التفتُّ، كانت عينا أبي – رحمه الله – تلمعان بفخر جنوني، اختلطت فيه الدموع

بضحكته الطفولية الواسعة؛ دموع لم تكن حزنًا، بل فيضًا من زهو اللحظة وثمار الطريق الطويل. رأيت في بريقها تاريخًا من التعب والصبر، وكأنها تُصفّق لي بصمت لا يُسمع إلا بالقلب. إلى جواره، كانت عينا أمي تفيض بسعادة هادئة ودعاء مكتوم لم يفارقها منذ بداية الطريق، دعاء يلتف حولي كوشاح أمان وسط كل هذا الصخب

أما أعضاء مجلس الإدارة، فكانت نظراتهم تحمل مزيجًا مدهشًا؛ تأثر صادق بالحدث، ودهشة من عظمة اللحظة، ووميض سؤال عابر في عيون بعضهم: إلى أين يمكن أن تمضي بنا خطواتكِ بعد الآن؟ وبين هذا وذاك، فرح طفولي يشي بأن اللحظة كانت أكبر مما تصوّروه جميعًا

وفي أعماقي، كنت أدرك أن التصفيق ليس نهاية الحكاية، بل ولادة فصل آخر أشد خطورة وجمالًا؛ فصل يُلزمنا أن نحمل الحلم إلى أبعد مدى، أن نزرع نوره في قلوب لم تره بعد. كان دويّ التصفيق يملأ الصالون، لكن داخلي كان غارقًا في صمت عميق، صمتٍ يلتقط صور الطريق كاملة: دموع أبي الممزوجة بالفخر، دعاء أمي الصامت، الأشواك التي صارت زهورًا في ذاكرتي. لحظتها شعرت أن الحلم غادر حدودي الضيقة، وصار وطنًا صغيرًا يحتضننا جميعًا .

بقلمي

لمياءحمدي

مقالات ذات صلة