بعدَ منتصفِ الليلِ بقليل… كانت الغرفةُ لا تشبهُ نفسها. الضوءُ خافتٌ كأنهُ يتذكّرُ كيف يكونُ نورًا ولا ينجح، والساعةُ على الحائطِ تمشي بلا قناعة… كأنّ الوقتَ هنا يؤدي وظيفةً لا يفهمها. فنجانُ القهوةِ على الطاولةِ لم يكن ساخنًا تمامًا، ولا باردًا بما يكفي ليُنسى… كان في المنتصف مثل شعورٍ لم يُسمَّ يومًا. والسيجارةُ بين الأصابع كانت تحترقُ بهدوءٍ مبالغٍ فيه، كأنها تعرفُ أنّ أحدًا لا ينتبه لكلّ هذا الانطفاء الجميل. ثم… من دون أن يحدث شيء يُفسَّر، انزلقتِ الرسالةُ القديمةُ من بين كتابين. لم تكن مجرد ورقةٍ سقطت، بل كانت كأنها تعرفُ طريقها جيدًا إلى هذا الضوء تحديدًا. تقدّمتُ ببطءٍ فوق الطاولة كم لو أني أخشى أن أوقظ شيئًا نائمًا في المكان، شيئًا يشبه القلب حين يتذكّر فجأة أنه كان حيًّا يومًا. الحبر لم يكن باهتًا كما يُفترض بالقديم… بل كان كأنه يلمع بخجل، كأن الكلمات لم تمُت، بل فقط أغمضت أعينها قليلًا. في كلّ حرفٍ كان هناك ارتجافٌ صغير، ليس ارتجافَ يدٍ فقط، بل ارتجافُ عمرٍ كاملٍ حاول أن يبدو ثابتًا ولم ينجح. وكلّ ما كان في الغرفة… القهوة، السيجارة، حتى الضوء… صار أقلّ أهمية منها بثوانٍ. لأن شيئًا ما بداخلي لا يقرأ الرسالة… بل يتعرّف عليها. كأنها ليست ورقة… بل نبضٌ قديم يطرق من الداخل ويقول: “أنا ما زلت هنا. وحين مددتُ يدي نحوها… لم ألمس الورق مباشرة. بل شعرتُ أولًا بشيءٍ يشبه الدفء… لكنّه ليس دفء الورق. كأنّ الرسالة مدّت يدها قبلي بثانية وفي تلك اللحظة فقط… فُتح الحبر. لم يُفتح كرسالة… بل كصوتٍ كان محبوسًا داخل الكلمات وانكسر أخيرًا. وظهر السطر الأول وكأنه لا يُقرأ… بل يُسمَع من الداخل: “إذا وصلتك هذه، فأنت لم تتأخر… أنت فقط كنتَ تتظاهر بالنسيان.”