رغم الازدحام.. دائما هناك فراغ..بقلم: مستشار محمود السنكري

رغم الازدحام.. دائما هناك فراغ
بقلم: مستشار محمود السنكري
رغم ازدحام حياتنا بالبشر بالمواعيد بالمكالمات والرسائل والصور المضيئة حتى المظلمة منها ، في هذا الضجيج الكثيف الذي نحياه يوميًا هناك فراغٌ صامتٌ يسكننا وفراغٌ لا يُرى لكنه محسوسٌ بمرارة في الأعماق وفراغٌ يملأ القلب رغم ازدحام الحياة يزحف في الروح رغم صخب الأحداث.
كل يوم نمرُّ بين الزحام نبتسم نُحيي، نردّ التحايا ونشارك في أحاديث متشعبة لكن شيئًا في داخلنا يظلّ صامتًا ينزف دون صوت كأنّ بين ضلوعنا فجوة لا يملؤها شيء، نحيا في بيوت مزدحمة بالأثاث ونمتلك هواتف مليئة بالأسماء ونرتدي وجوهًا مبتسمة لكننا في الحقيقة… وحدنا.
ما أشدّ الوحدة التي تأتي من الداخل..ليست تلك التي يفرضها الغياب بل تلك التي تتغلغل فينا رغم الحضور هي وحدة المعنى وحدة الفهم وحدة الشعور ، نبحث عمن يسمع الصوت الذي لا يُقال، عمن يرى الألم خلف نظرات الصبر، عمن يلمح اليد الممتدة طلبًا للدفء في برد الزحام.
ربما الفراغ لا يعني غياب أحدهم فقط بل غياب الذات عن ذاتها ، فنحن أحيانًا نصبح غرباء حتى عن أنفسنا نعيش ونحن نجهل تمامًا من نحن وماذا نريد ولماذا كل هذا التعب؟ نرتبك أمام مرآتنا، نتحاشى أعيننا حين ننظر إليها ونخاف أن نكتشف كم فقدنا من أنفسنا ونحن نلهث وراء المواعيد والضجيج والمظاهر.
الفراغ الداخلي لا يملؤه ضجيج الحياة بل حميمية الحضور ، لا يُسكَت إلا بأن نجد من يُشبهنا أو يفهمنا أو يسمع ارتجافنا الخافت في لحظات الصمت ، قد يكون كتابًا أو صديقًا أو حبًا نقيًا أو حتى لحظة صدق مع النفس نعود فيها إلينا، نربت على أرواحنا المنهكة ونقول لها “أنا هنا، ما زلت معك ولن أتركك.”
لكننا وللأسف نُخيف أنفسنا أكثر مما يخيفنا الفراغ فنملأه بتفاهات ونتجاهله حتى يتوحّش ونحاول تزيينه بالنجاح والأموال والصورة لكنه يظل يصرخ في أعماقنا “كل هذا لا يكفي.”
نهاية القول…ليس كل ازدحام كافيًا وليس كل حضور شافيًا وقد يكون أعظم الاكتظاظ دليلًا على أعمق الفراغات ، فابحث عن ذاتك وسط الزحام ولا تُسلِّم قلبك للعابرين ولا تهرب من وحدتك إلى قشور العالم فقد يكون هذا الفراغ هو دعوة لأن تنصت إلى روحك وتعود إلى عمقك حيث يسكن السلام الحقيقي لا الزيف.
فدائمًا…
هناك فراغ رغم الازدحام.



