المقالات والسياسه والادب

فتاوى بغير علم

فتاوى بغير علم

 

كتبت ا. سبيله صبح 

 

* ظاهرة التجرؤ على الدين

مما يؤسف له انتشار ظاهرة التحدث باسم الدين وإصدار الفتوى ممن ليس لهم من الأمر شئ، فنرى كل من سُئل في حُكم شرعي يفتى فيه حتى ولولم يكن لهم بالعلم قدم ولا باع، والحقيقة لو بحثنا في الأمر لوجدنا أنه شائع منذ القدم وليس أمرًا مستحدثًا إلا أنه زاد عن حده في هذا العصر، وقد حذرنا من ذلك القرآن الكريم منذ قرون، حين قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

 

* الفتوى في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) :

رغم علم الصحابة رضوان الله عليهم وفضلهم إلا أنه لم يكن للفتوي مجال بينهم فقد كانوا يهابونها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الصحابة على عهد النبي يستفتونه فيُفتيهم لأنه صلى الله عليه وسلم كما قال فيه رب العزة ” وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى”.

وقد قال عبد الله بن مسعود عنها ” من أفتى الناس في كل ما يستفتون فيه فهو مجنون” مريدًا بذلك أنها مسؤلية عظيمة لا ينبغي أن يعمل بها إلا من تأهل لها.

 

* حال الصحابة بعد وفاة النبي عليه السلام.

 

بعد انتقال الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى الرفيق الأعلى، كان الصحابة حريصون في فتواهم أشد الحرص فكما أُثِرَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يُصدر فتوى إلا بعد أن يجمع كبار الصحابة ولم يكن ينفرد برأي إلا بعد اتفاق الجميع أو اجتهاد جماعي، كما أُثِرَ أن ذلك كان من فعل ابن عباس رضي الله عنه رغم علمه وفقهه، فقد روي أنه كان يقول إذاسُئل عن مسألة فيها خلاف :” لا أعلم ” ليُعلِّم الناس أن الورع أولى من التسرع.

 

* أما في عهد السلف الصالح:

* فقد كانوا يتحرون الأمر ويهابون الفتوى فقد روي أن الإمام مالك بن أنس سُئل عن أربعين مسألة فأجاب عن ست وثلاثين ” لا أدري”.

* ومم اشتُهر عنه أنه كان يقول دائماً : من قال لا أعلم فقد أفتى.

 

* و اشتُهر عن ابن سيرين أنه كان يقول ” إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

 

* الفتوى في عصرنا الحالي.

 

رغم ما علمناه من مهابة الصحابة والعلماء من الفتوى وخوف الوقوع في الخطأ إلا أننا مع الأسف نجد اليوم الجميع يتحدث باسم الدين يُصدر الفتاوى، ومما يؤسف له انتشار تلك الفتاوى على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي ممن ليسوا أهلا لها، وكأنها عبارات عابرة، مما أدى إلى تشويش العقول وإحداث فوضى وبلبلة بين الناس وفي عقولهم نظرًا لكثرة الفتاوى والآراء، فمن العجيب أنك ترى نفسك بين أكثر من رأى للمسألة الواحدة وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى الشك وعدم الثقة في الدين من بعض ضعاف الإيمان، كما أننا كثيرًا مانجد في تلك الفتاوى إحلالًا للحرام، أو تحريمًا للحلال.

ً

وقد أخبرنا بذلك الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حينما قال : “إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا”.

 

* أسباب انتشار هذه الظاهرة:

 

* السعي وراء الشهرة.. حيث أن بعض الناس يميلون إلى الظهور والأضواء مما جعلهم يتخدون الحديث في الدين وسيلة لهم مع جهلهم وعدم أهليتهم للحديث عنه.

 

* انتشار الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي : فمن المؤسف أن نرى ونسمع كل يوم مئات المتحدثين باسم الدين رغم ان الأغلبية العظمي ليسوا مؤهلين لذلك، ومما يُؤسف له أيضًا استعانة القنوات الفضائية بهؤلاء في برامج دينية فتنتشر فتواهم ويأخذ الناس بكلامهم ثقة بهم.

 

* قلة الوعي الديني : البعض يظن أن قراءته في الدين أو حفظه لبعض الآيات والأحاديث يُؤهله للفتوي و لايُدرك خطورة التصدي للفتوي بغير علم وعقوبتها عند الله تعالى .

 

* ضعف دور المؤسسات الدينية في بعض الأحيان حيث أنها من المفترض بها ان تحاسب كل من يتصدر للفتوي بغير علم أو يُصدر فتاوى لا أصل لها في الدين.

 

* علاج هذه الظاهرة…..

 

* الدولة تعمل جاهدة للقضاء على تلك الظاهرة وذلك نراه جليًا من خلال دور الأزهر الشريف، ودار الافتاء، ووزارة الأوقاف حيث خصصت مكاتب للجان الفتوى في معظم المراكز والبلدان فلم يعد الأمر يحتاج للذهاب الي المدن الكبرى او لمشيخة الأزهر للحصول على فتوى شرعية.

 

* التأكيد على أن الفتوى أمانة لا ينبغي أن يتصدي لها إلا من تأهل لذلك واعتُمد عضوًا بلجنة الفتوى.

 

* الحرص على نشر الوعي الديني وتدريس العلوم الشرعية والاهتمام بها مادة أساسية في التربية والتعليم ويقوم بتدريسها أزهريون.

 

* ضرورة اللجوء إلى أصحاب العلم المتخصصين ولجان الفتاوى لأخذ الحكم الشرعي منهم.

 

* في الختام…

 

* أود أن أنبه إلى ضرورة أخذ العلم الديني و الفتاوى من أهل التخصص الثقات فالتحدث في الدين بغير علم ليس خطرًا على الافراد فقط بل يهدد الناس جميعًا ومعتقداتهم ومعاملاتهم وعباداتهم ، ولا ينبغي أن نترك الفتوى لهوي النفس يقول تعالى ” ولا تقف ماليس لك به علم”

وأود هنا أن أشكر كل من يُوسد الأمر لأهله فقد تعلمت من أختي الفاضلة د. مني محرز سلامة أن أسأل قبل أن أجيب فما سألني أحد عن مسألة وسألتها عنها رُغم أنها أهل لذلك العلم إلا وأجابتني سأسأل أساتذتي، وبعد أن أصبحت أستاذة في العلوم الشرعية في جامعة الأزهر تقول لي سأبحث في الكتب جزاها الله خيرًا ووالديها فقد علماها الخوف من الله قبل الناس ومهابة الفتوى تأسيًا بصحابة النبي عليه السلام والسلف الصالح، كذلك التعليم الازهرى الذي يزرع فينا الخوف من الله عزوجل ومراقبته في جميع اقوالنا وأفعالنا. 

 

واخيرًا فليتق الله كل متكلم بغير علم، وليرجع الناس إلى العلماء الربانيين، ففي ذلك حفظ للدين وصون للأمة من التفرق والضلال.

أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يقولون فيعملون، ويعملون فيخلصون، يخلصون فيؤجرون.

مقالات ذات صلة