المقالات والسياسه والادب

زواج قاصر ‏بقلم الكاتبة إيمان نجار

زواج قاصر

‏ أربع شخصيات: *الأب، الأم، البنت، الرجل الخاطب، والراوي*.
‏المشهد الأول:
‏*الراوي (بصوت هادئ):*
‏في بيتٍ يغمره الصمت أكثر من السلام، جلس الأب، وعلى وجهه ملامح قرارٍ لا يحتمل النقاش…
‏بين جدرانٍ تعرف الحكايات ولا تفشيها، وُلد الصراع.
‏*الأب (بصوت حازم):*
‏الأمر محسوم يا أمّ ليلى… زواجها سترٌ، والرجل لا يُعاب، ولا نُفوّت فرصة كهذه.
‏*الأم (بصوت متردد):*
‏ولكنها صغيرة، بالكاد تفهم ما الزواج… قلبها ما زال يلعب بالدمى، كيف تحمله فوق مسؤولية بيت وزوج؟
‏*البنت (بصوت خائف):*
‏أبي… أنا لا أريده… لا أفهم ما يريد مني، ولا أحتمل أن أترك حضن أمي.
‏*الأب (بحدة):*
‏عيبٌ عليكِ! البنت تُربّى لتُزفّ… هكذا الدنيا. وستتعودين.
‏*الخاطب (بهدوء مصطنع):*
‏يا عمّ، أنا أعدك… سأحفظها كأغلى ما أملك، ولن ترى مني سوءًا.
‏*الأم (بحزن):*
‏وهل تُقاس المحبة بالوعود؟ يا رجل، أتق الله… البنت تخاف حتى من الظل، كيف تضعها في قفص وتقول إنها حرة؟
‏*البنت (تبكي):*
‏أمي… أنقذيني…
‏*الراوي:*
‏وهنا لا يعود السؤال عن الزواج، بل عن الضمير…
‏أيّ مجتمعٍ هذا الذي يُطفئ عيون الطفولة بنار العادات؟
‏أيّ أبوّةٍ تلك التي تُفرّط بحلم ابنتها باسم “الستر”؟
‏وأيّ مستقبل يُبنى على أنقاض الخوف؟
‏*المشهد الثاني: (داخل غرفة البنت، بعد مغادرة الأب والخاطب)*
‏*البنت (بصوت مكسور):*
‏أمي… هل أنا خطيئة؟ لماذا يُطلب مني أن أدفن عمري بيدي؟
‏*الأم ( والدمعة تخونها):*
‏أنتِ لستِ خطيئة… بل أنتِ النور الوحيد في هذا الظلام.
‏لكني امرأة، وكلمتي في هذا البيت لا تكسر صمت الجدران…
‏*البنت:*
‏لكنهم سيكسرونني!
‏لن أكون زوجةً يا أمي… لا أفهم الحب، ولا أحتمل فكرة أن أنام في غرفة لا أعرفها، مع رجل لا يعرفني!
‏*الأم (تقترب منها وتضمّها):*
‏سامحيني يا صغيرتي… كنتُ أظن أن الصمت نجاة، لكن صمتنا يُربّي الظلم.
‏لن أدعهم يأخذوكِ… وإن كلفني ذلك أن أصرخ في وجه العادات كلها.
‏*الراوي (بصوت داخلي):*
‏هناك أمهات يصِرنَ سلاحًا… حين تعجز الطفولة عن الدفاع عن نفسها.
‏وهناك لحظات، تولد فيها الشجاعة من رحم الخوف.
‏*المشهد الثالث: (في الصالة، الأم تواجه الأب والخاطب)*
‏*الأم (بصوت ثابت وقوي):*
‏لن تزوّجها.
‏أنا أمّها، وأنتَ قد تنسى، لكني لا أنسى صرخة الخوف في عينيها.
‏وإن كنتَ ترى في الزواج صفقة… فأنا أراها حياة.
‏*الأب (مذهول):*
‏أنتِ ترفعين صوتكِ عليّ؟
‏*الأم:*
‏بل أرفعه لأجل ابنتك.
‏لأجل كل طفلة تُدفن أحلامها تحت أقدام رجل أكبر من زمنها.
‏لن أكون شريكة في هذه الجريمة.
‏الخاطب :
‏أنا… لا أريدها قسرًا. إن كانت ترفض، فلن أتم الزواج.
‏*الراوي:*
‏أحيانًا، تنهار جدران القهر بكلمة.
‏وأحيانًا، يبدأ التغيير من امرأة قالت: لا.
‏المشهد الختامي
‏*الراوي:*
‏وفي لحظةٍ كانت فيها الأنفاس محتبسة، والقلوب على وشك الانفجار،
‏وقفت الأم… لا بدمعٍ ولا بصوتٍ مرتجف، بل كجدارٍ لا تهزّه العواصف.
‏الأم “هذه ابنتي، روح من روحي… لن أقدّمها قربانًا لعاداتٍ ظالمة.
‏إن كنتَ ترى في الزواج صفقة، فأنا أراه حياةً تُبنى لا تُسلب.”
‏الراوي::
‏الرجل (الذي أراد الزواج):
‏تراجع خطاه، وارتبكت نظراته،
‏فلم يكن مستعدًا لمواجهة امرأةٍ تعرف جيدًا أين تضع قلبها، وأين ترفع سيفها.
‏*الأب (بصوت خافت):*
‏”ما كنت أريد سوى أن أؤمّن مستقبلها…”
‏*الأم:*
‏”مستقبلها لا يبدأ بزواجٍ قسري، بل بحلمٍ تُحققه، وعمرٍ تختاره هي، لا يُفرض عليها.”
‏*الراوي (يختم):*
‏وهكذا…
‏انتصرت أمٌ لقلب ابنتها،
‏لا بصوتٍ عالٍ… بل بصوتٍ صادق.
‏في زمنٍ يَسكت فيه كثيرون،
‏كانت هي الصوت… وكانت هي الحياة.

مقالات ذات صلة