المقالات والسياسه والادب

زُجَاجٌ في الفَمِ ‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

زُجَاجٌ في الفَمِ

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار 

‏اللَّيْلُ لا يَهْبِطُ عَلَيَّ،

‏بَلْ يُزْرَعُ فِي صَدْرِي كَعُضْوٍ إِضَافِيٍّ.

‏أَسْتَيْقِظُ وَفِي دَاخِلِي ظَلَامٌ يَتَنَفَّسُ،

‏يَتَمَدَّدُ بَيْنَ أَضْلُعِي

‏كَظِلٍّ يَنْضُجُ فِي الْعَتْمَةِ

‏وَيَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَكُونُ أَنَا.

‏رَأْسِي لَيْسَ رَأْسًا،

‏إِنَّهُ مَمَرٌّ مُلْتَفٌّ

‏يَلْتَهِمُ الِاتِّجَاهَاتِ.

‏أَنْزِلُ فِيهِ… أَنْزِلُ…

‏وَلَا أَصِلُ.

‏كُلُّ فِكْرَةٍ تَصْطَدِمُ بِأُخْرَى

‏فَتُنْجِبُ شَرْخًا،

‏وَالشُّرُوخُ تَتَكَاثَرُ

‏حَتَّى يَصِيرَ الْوَعْيُ

‏زُجَاجًا مَسْحُوقًا فِي فَمِي.

‏أَمْشِي دَاخِلَ نَفْسِي

‏فَأَتَعَثَّرُ بِي.

‏وَجْهِي قِنَاعٌ يَبْتَسِمُ،

‏لَكِنَّ مَلَامِحِي مِنَ الدَّاخِلِ

‏تَصْرُخُ بِطَرِيقَةٍ صَامِتَةٍ،

‏تُشْبِهُ انْفِجَارًا

‏مَكْبُوتًا فِي عُلْبَةِ صَفِيحٍ.

‏هُنَاكَ شَيْءٌ

‏يَنْمو فِي زَاوِيَةِ رَأْسِي،

‏لَيْسَ فِكْرَةً،

‏وَلَيْسَ ذِكْرَى،

‏إِنَّهُ كَائِنٌ لُغَوِيٌّ

‏يَأْكُلُ الْحُرُوفَ،

‏وَيَقْضِمُ الْمَعَانِي،

‏ثُمَّ يَبْصُقُهَا

‏مُشَوَّهَةً،

‏كَجُثَثِ كَلِمَاتٍ.

‏أُحَاوِلُ تَرْتِيبَ أَفْكَارِي،

‏فَتَتَدَلَّى مِنَ السَّقْفِ

‏كَأَسْلَاكٍ عَارِيَةٍ.

‏أَلْمَسُ وَاحِدَةً،

‏فَيَشْتَعِلُ جَسَدِي

‏بِرَعْشَةٍ لَا تُرَى.

‏الْجُنُونُ لَيْسَ صُرَاخًا،

‏الْجُنُونُ تَرْتِيبٌ مُبَالَغٌ فِيهِ لِلْفَوْضَى.

‏أَنْ تَجْلِسَ مُسْتَقِيمًا

‏بَيْنَمَا دَاخِلُكَ

‏يَنْقَلِبُ كَمَدِينَةٍ

‏أَصَابَهَا زِلْزَالٌ

‏بِلَا صَوْتٍ.

‏أَضْحَكُ أَحْيَانًا،

‏لَا لِأَنَّ شَيْئًا مُضْحِكًا حَدَثَ،

‏بَلْ لِأَنَّ الْبُكَاءَ

‏صَارَ أَوْسَعَ مِنْ وَجْهِي.

‏ضَحِكَتِي صَدْعٌ أَبْيَضُ

‏فِي جِدَارٍ أَسْوَدَ.

‏أَكْتُبُ…

‏فَتَنْفَلِتُ الْكَلِمَاتُ

‏كَشَيْءٍ يَهْرُبُ مِنْ جُثَّتِي وَأَنَا حَيٌّ.

‏لَا أُسَيْطِرُ عَلَيْهَا،

‏هِيَ الَّتِي تَقُودُنِي

‏إِلَى غُرَفٍ فِي ذِهْنِي

‏لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ

‏أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.

‏فِي كُلِّ لَيْلَةٍ

‏أُعيدُ تَجْمِيعِي

‏بِطَرِيقَةٍ خَاطِئَةٍ،

‏يُوضَعُ قَلْبِي

‏فِي مَكَانٍ لَا يُنَاسِبُهُ،

‏وَتُزْرَعُ عَيْنَايَ

‏فِي جِهَةٍ لَا تَرَى.

‏أَنَا لَا أَنْهَارُ،

‏أَنَا أَذُوبُ بِبُطْءٍ،

‏أَتَحَوَّلُ إِلَى فِكْرَةٍ سَائِلَةٍ

‏تَبْحَثُ عَنْ وِعَاءٍ

‏وَلَا تَجِدُ.

‏وَفِي أَقْصَى الدَّاخِلِ،

‏حَيْثُ لَا يَصِلُ أَحَدٌ،

‏أَسْمَعُ صَرِيرًا خَفِيفًا—

‏كَأَنَّ رُوحِي

‏تُجَرِّبُ بَابًا

‏لِلْهُرُوبِ،

‏وَتَفْشَلُ.

مقالات ذات صلة