المقالات والسياسه والادب

سأعود قريبا

سأعود قريبا

رانيا أحمد العليان

تركت الباب مفتوحا في عيون أطفالها،فهي تدرك أنها ستعود،كانت فرحة مثل أي أم..فهي ستعد لعائلتها طعاماً لذيذاّ هذا اليوم،

هي في ذاكرتهم عائدة إليهم ،تمشي في خيالاتهم تتنفس هواءهم،ترسل لهم قبلات في الهواء تبتسم ،ثم تشاركهم حفل البكاء كل ليلة وتجلس قبالتهم،

خرجت منذ الصباح فقد وعدتهم أنها ستعود محملة بصناديق الفرح المزينة بالحلوى وفاكهة الموسم والطعام اللذيذ..

لكنها خرجت ولم تعد..!

تركت الحب مريضا في قلب زوجها وأجساد أطفالها، فهي ليست ام فقط ،إنها دواء وركن هادىء لأرواحهم الثكلى ،

في تلك البقعة من البلاد البعيدة ،حيث يقف المفتش حائرا ، والأحقاد والعادات والتقاليد حازمة ،حاسمة،حاكمة..

نتقوقع حول خليتنا،..لأسباب كثيرة وأحداث جعلت من الإنسانية حاجزا وجدارا..من قلوب .. وحروف كلنا يبكي عليه..ومامن خاسر سوى الإنسان..وفي حال سقطت نحلة ربما من التعب

أو وقعت في مصيدة اوكانت ضحية الطيبة سقطت من عيون بعض الأحبة ،و داستها هواجسهم،

مازال الصدى يدوي داخل منزلهم القديم والبسيط..

أين نور؟؟..ماذا جرى لنور؟؟؟

أكانت طبيعية وقتها؟؟..هل ذكرت اسما غريبا قبل مغادرة المنزل؟؟ ماذا كانت ترتدي..؟؟..

تراشقت الأسئلة بوجوه من في المنزل…

كل السيناريوهات ..الإيجابية..والسلبية .متوقعة..

وكل الإجابات تتصارع أمامهم..وفي عقولهم..

والخوف من صافرة حكم تقول: إنها هربت مع مجهول..

.لكن..لماذا….!؟

دخلت الشرطة المنزل ومارست روتينها بكل رصانة واحترام ،إجراءات نظامية..تعاطف تام مع الأسرة المنكوبة…

المحقق يربت بكفه على كتف الزوج قائلا:

حسنا في تمام الحادية عشرة والنصف صباحا اتصلت الأم بابنتها وأخبرتها أنها ستعود..

نور زوجة وأم تعيش في بيتٍ ريفي قديم على طرف المدينة

تحب زوجها،وأطفالها..،ترتدي ثوب القناعة ابتسامة طويلة من الرضا ومن القلة زادا من العطاء ..خطواتها متأنية وصوتها يحمل هم الامهات ..ثمة خوف..ويأس ..ثمة أمل وأحلام.. مؤجلة..

لكن الشمس..لاتغيب…

ففي آخر المطاف هناك أهل وجيران وأحباب نسعد بهم..

والأهم من كل ذلك زوجا يصدق نور ويحبها، وأطفالا يتمسكون بطرف ثوبها ويقدسون كلمتها فهي الوعد والأمل ،والطبطبة الدافئة في ذلك الوقت المجلود بقسوة الحياة..

يقول زوجها:

خرجت لعملي، واخبرتني أنها ستشتري بعض الحاجيات الضرورية للمنزل..

لا..لايوجد خلاف بيننا..

أبدا…أبدا..

علاقاتها طيبة مع الجميع…

هي امرأة مسالمة،حنونة وتحب بيتها.

اطرق الزوج رأسه قائلا:

حاولت الاتصال بها..مرارا وتكرارا..لكن لاجدوى..

الخط خارج التغطية..

بقيت اواصل الاتصال حتى الساعة الخامسة مساء

بحثت في المستشفيات وسجلت محضرا في قسم الشرطة..

انتشر الخوف والشائعات عمت المنزل ، 

لكن التعاطف كان اكبر من كل الترهات التي حاولت تمزيق الود والوفاء في قلب أسرتها، ومن يحبها ويعرفها..

(يتابع الحديث)

البيت ياسيدي..في حالة عزاء،..نعم ..الفقد عظيم..والفاجعة موجعة …دون وجود جثة..!

إذن ماذا تتوقع …؟؟

ربما هي عملية خطف…ا(لمحقق)

وضع الزوج راسه بين يديه..وساد الصمت..يقلبه على نار الصبر..

أفكار هوجاء تتصارع في رأسه..ويدهسها..بإيمانه بزوجته..

نعم أنا أعرفها..مستحيل..ان ترحل وتتركنا بإرادتها..ياسيدي .

نظرات الفضول والعطف والحزن من الجيران والأهل…

لكن الدهشة الصفراء صبغت هذا المنزل البسيط 

وكل الأشياء المسكونة فيه الجامدة والمتحركة.. بهذا اللون الذي يوحي بالمرض الدائم والتعب..

مضى إسبوع..والبيت يفتح فمه للهواء..وما يجري فيه من أفكار وكلمات تدمدمها بعض النسوة وبعض الحائرات 

ورجالات المنطقة..فالقضية ..تركت للمجهول والله أعلم..

قرر زوج نور السفر إلى مكان آخر فقد ضاقت روحه بمكان عزيز أضاع عزيزه فيه..

أطفاله منها كانو متنفسه الوحيد ،سيرحل ويأخذهم..

على أمل ان تعود أمهم ذات يوم ..

 

 

مقالات ذات صلة