المقالات والسياسه والادب

شؤون صغيرة

رانيا أحمد العليان

شؤون صغيرة

خطى بضع خطوات، تنهد وهو يمسح بأكمامه حبات العرق،نظر إلى الحقيبة ..متفحصا ما لديه من أشياء،..كتب،أوراق،قلم أزرق وحيد..بعض الملابس ..والقليل من القطع النفدية..

فكره ما زال مشغولا بإعادة الشريط المحفوظ في ذاكرته بشكل سريع./.أصوات عالية…

..تهديد ..خطط..كراهية….لا مجال للتراجع./.

يهز رأسه ..يذهب ويجيء….ثم يدور حول تفسه…

وفجأةً توقف وقد مُسح الشريط من رأسه أو نسيه تماما…..حين اصطدمت نظراته بنظراتها الخائفة المتلهفة…ركضت نحوه واحتضنته…..

تقول له بصوت خافت يرن في كل كيانه ويمحو سواد مافي داخله ذرةً..ذرة :

مازلت صغيرا يا ولدي ،عد إلى البيت..

لا…لا يا أمي لن أعود ..ثم لماذا جئت؟؟ لقد قررت الرحيل وانتهى الأمر…..لن تجدي دموعك نفعا….

ياصغيري… والدك عصبي …ولايتحمل قلبه النقاش أبداً…..عليك بالصبر . لن أدعك تصطدم معه ثانية ..هذا وعد…

لقد اقتنع معي..بأنك شاب ولك حرية الاختيار في إعادة دراسة الشهادة الثانوية…،إنها مرحلة صعبة ..سنتجاوزها حتماً..

الابن : وأختي هل ستتزوج عريس اللقطة .. .

الأم: أجل لقد وافقت وتناشدك العودة ، والفتاة يابني مهما درست وعلت فيها المناصب ،سينتهي بها المطاف إلى حياة زوجية هادئة ،…ها ماذا قلت..؟

الابن:و والدي..

لقد وافق كما قلت لك ستعيد امتحاناتك..وستحصل على علامات أفضل،،، ولكن بشرط أن تعمل…و ..

الابن: وهل كنت عاطلا عن العمل في السنة الماضية…حين كان النجاح بالنسبة لي كما الرسوب…

الأم: لابأس ياولدي تحمل.. واصبر مادمت تريد الدراسة…

الابن: أجل يا أمي…سأسلم أمري لله ،وسأقول كما تقولين دائما …عمر وسيمضي ..

وسأتحمل تمادي أرباب العمل..في الكلام…لأني ..

أخذته والدته من كتفه..وقبلت وجنته المحترقة ..كقلبها المسكين….مشيا معا وهي تعاتبه ..تمازحه وتلومه….

أما هو…

فكان يحتضن حقيبته اليتيمة،..وتلاشت نظراته التي كانت تبرق بالإصرار والحزم..،لقد هدأت وتعبت…إلى أن باتت تشبه نظرات طفلٍ صغير ..

وحين وصلا .إلى البيت..أدخلته الوالدة..كما لو كان ضيفاً غالياً..واستقبلته أخته حسناء بدمعة حقيقية ترتدي ثوب ابتسامة..تحاول الصمود أمام الرياح التي كانت تعصف في قلبها..تلكمه بيديها وتقول:

جئت َكي تأخذ مصروفي الذي أدخره ثمنا لاوراقك وأقلامك..

والدك ينتظرك في الغرفة،

نظر إليها وقد غصت ملامحه بدهشة مريرة:

هل حقا قبلت الزواج من ذلك المتعجرف؟!

الأخت: ..ياأخي…وكررت كلام أمها….(…. )

الأم :والدك ياولدي ينظر إليك…

دخل غرفة والده التي تفوح منها رائحة الدخان الثقيله..والكئيبة ..

كان والده ينظر إليه بعطف و ندم..لكن الرجولة التي تعود عليها كانت أقوى من أن يحضن ولده الشاب..ويقول له:

اعذرني يا ولدي،كنت غاضباّ..

كنت أعاني من ضائقة مادية.فلم أعرف ما أقول

لكن العنفوان الحجري الصلب ..لا يتزحزح من رأسه .فاكتفى بأن مد يده إلى ولده الذي قبّلها بفتور..وخرج من الغرفة دون أن يتفوه بكلمة،

دخل غرفته الصغيرة الكائنة في إحدى زوايا الحديقة قرب الدالية الكبيرة،

احس أن البارحة كان كابوسا ،وأن قراراته كانت وهما..

سأل نفسه: لماذا غضب والدي؟ ..أحقا لأنني أريد إعادة الدراسة

والعمل … ياربي أنا دائما أعمل…!

ثم فجاة وافقت أختي على الزواح بعد رفضها القاطع،

هل هذا الذي يجري في داخلي الآن من غرابة الأمور..

هو امر طبيعي…؟؟!

شعوري العنيف بالتمرد…تواطأ مع نبرة صوت أمي/ عد ياصغيري/

وأعادني معها إلى المنزل..لماذا؟

وأخيرا ..وضع رأسه بين كفيه محاولا إقناع نفسه بأن الذي يجري…مجرد شؤون صغيرة علينا ألا نفكر بها .

مقالات ذات صلة