صباح الطمأنينة

صباح الطمأنينة
بقلم… هدى عبده
صباح يفتح أبوابه على الطمأنينة، وتستيقظ فيه الأرواح على ذكر الله، فنمضي إلى أيامنا بقلوب أكثر ثباتًا، لا تغرينا ضوضاء الدنيا ولا تخدعنا زينتها الزائلة.
أنتبه معي…
دعنا نترك خلفنا كل مظاهر التصنع، ونتحدث بلغة أقرب إلى القلب؛ لغة لا تبحث عن التصفيق، ولا تختبئ خلف عبارات منمقة، بل تبحث عن الحقيقة كما هي، بكل وجعها ووضوحها.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد اختلاف في الآراء كما يبدو على السطح، فهناك مشاهد تتكرر بطريقة تدعو للتأمل. كلمة عابرة تُلقى في فضاء واسع، ثم تتحول في لحظات إلى نار تمتد بين الناس. فكرة ناقصة، أو خبر مجهول، أو حساب لا نعرف صاحبه، يصبح سببًا لغضب وانقسام وعداء.
والأغرب أننا كثيرًا ما ندخل معارك لا نعرف أطرافها، ونخاصم أشخاصًا قد لا يكون لهم وجود حقيقي، ونمنح أصواتًا مجهولة القدرة على تمزيق علاقاتنا وإشعال خلافاتنا.
لقد أصبحت بعض المنصات ساحة تختلط فيها الحقيقة بالوهم، ويُستثمر فيها غضب الإنسان وخوفه وحماسه. فبدل أن تكون وسيلة للتقارب، تتحول أحيانًا إلى اختبار صعب لعقولنا وأخلاقنا؛ نستفز بسرعة، نحكم قبل أن نتحقق، ونمنح الانفعال مساحة أكبر من الحكمة.
الخطر الأكبر ليس في وجود من يحاول التأثير علينا، فذلك أمر عرفته البشرية عبر تاريخها، لكن الخطر الحقيقي أن نفقد قدرتنا على التمييز، وأن يصبح الإنسان خصمًا لأخيه بسبب رسالة مجهولة أو رواية غير مؤكدة.
فحين تنجح الفتنة في جعل الناس ينظرون لبعضهم كأعداء، لا يحتاج صاحب الفوضى إلى بذل جهد كبير؛ لأن المجتمع يبدأ بهدم نفسه بيديه.
نحن لا نخسر حين نختلف، فالاختلاف جزء من الحياة، لكننا نخسر حين يتحول الاختلاف إلى كراهية، وحين يصبح الغضب سيد الموقف، وحين ننسى أن خلف كل شاشة إنسانًا له كرامته ومكانته.
علينا أن نمتلك وعيًا أكبر من سرعة انتشار الأخبار، وأن نمنح عقولنا فرصة قبل أن نمنح مشاعرنا الحكم. فليس كل ما يُقال يستحق الغضب، وليس كل من يرفع صوته يملك الحقيقة.
المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في مواجهة ما يأتي من الخارج، بل في حماية عقولنا من أن تتحول إلى ساحة تعبث بها الشائعات والانفعالات.
فهل نحن نستخدم هذه الأدوات بوعي؟ أم أننا نسمح لها أن تقودنا حيث تريد؟
ربما يكون أول طريق النجاة أن نتعلم متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نسأل قبل أن نصدق…
فالأمم لا تُضعفها الخلافات وحدها، بل تُضعفها اللحظة التي تفقد فيها قدرتها على التفكير.
د. هدى عبده ✒️


