المقالات والسياسه والادب

صمت الحروف…مستشار محمود السنكري

صمت الحروف

بقلم: مستشار محمود السنكري

صمت الحروف.. عنوانٌ ينطقُ بالوجعِ رغم سُكونه…

هو ذلك الشعور حين تضيق الكلمات…

وتبقى الحروف عالقة في الحلق،

تتوسل الخروج،

لكن الكبرياء أو الألم أو الخذلان يشلّها.

صمت الحروف..

ليس جهلا بالنطق،

بل حكمةُ من تعلّم أن لا يُقال كل ما يُشعر،

وأن بعض الوجع

يُكتب بالدمع، لا بالقلم.

في لحظةٍ ما يتوقفُ كلُّ شيءٍ عن النُطق…

لا لضعفٍ في اللسان،

ولا لقصورٍ في البيان،

بل لأن الحروف قد تَعبت.

تعبت من كثرة ما خذلتها الجُمل،

ومن كثرة ما أُفرغت من معناها

في زحمة أحاديث لا تسكنها القلوب.

صمت الحروف..

هو أن تمتلئ روحك بالكلام

لكنّك لا تجد حرفًا واحدًا يُشبه وجعك،

فتختار السكوت،

لأن الصمت حينها… أصدق من ألف عبارة.

تجلس مع نفسك،

تحاورها بنظراتٍ شاردة،

وتعاتبها بهمسة داخلية لا يسمعها أحد،

وتتساءل:

هل نحن من خانتنا الحروف؟

أم أننا من خنّاها حين بعناها لأناسٍ لا يقرأون إلا بما يشتهون؟

صمت الحروف..

هو رسالة لم تُكتب،

ووداع لم يُقال،

وحبٌ مات على أبواب الخوف،

وشوقٌ اختنق بصوت الكبرياء.

هو أن ترى من تحب

ولا تستطيع أن تُخبره بما فيك،

لا لأنك لا تريده،

بل لأنك تعلم أن البوح في غير أوانه

قد يتحول إلى سكين.

في صمت الحروف..

تسكن القصائد المبتورة،

وتُدفن الاعتذارات التي تأخرت،

وتُخبأ الأحلام في أدراجٍ لا تُفتح.

لكن رغم الألم…

ورغم الزحام داخل الروح،

يظلّ الصمت لغةً راقية

لا يُتقنها إلا من عرف أن ليس كل ما يُشعر… يُقال.

ويأتي الليل..

ليُتمّم على ما بدأه النهار من صمتٍ موجع،

فتنكمش الحروف داخل صدرك

كطفلٍ خائفٍ فقد يد أمه،

تفتّش فيك عن مأوى،

عن حضن يصدقها،

عن سطرٍ لا يُشوّهها فيه أحد.

وحين تضع رأسك على وسادتك

لا تنام كما يفعل الناس،

بل تبدأ حفلة الوجع الصامت،

تكتب دون قلم،

تبكي دون دمعة،

تتحدث بصمتك كما لم تفعل من قبل.

يُقال إن الصمت لغة الضعفاء،

لكن الحقيقة أن الصمت

هو لغة من جرّب البوح… فاحترق.

هو حكمة من أدرك

أن بعض الكلمات لا تليق بالخارج،

أنها خُلقت لتعيش وتموت في الداخل.

صمت الحروف..

ليس انسحابًا…

بل وقار الذين تعبوا من التفسير.

هو أن تكتب رسائل طويلة

ولا ترسلها،

أن تُحضّر خطابات شوق

وتدفنها في صندوقٍ من حنين.

أحيانًا..

تكون أقسى الجروح

تلك التي لم تُقال،

وأعمق الحب

ذلك الذي لم يُعترف به،

وأصدق الخسارات

هي التي لم نجرؤ على البكاء عليها أمام أحد.

وفي النهاية…

يبقى صمت الحروف

رفيق الأرواح التي عاشت أكثر مما قِيل،

وباحت أقل مما وجدت،

ومضت في دروب الحياة

تجمع فتات الشعور،

وتحفظ كرامتها في كل مرة

رفضت فيها أن تقول ما لا يُقال.

فليكن صمتك سلاحًا لا ضعفًا،

ولتكن حروفك إن نطقت… شمسًا لا ظلًا.

كن روحا تكتب حين يسكت الجميع…

مقالات ذات صلة