المقالات والسياسه والادب
صندوق الطين بقلم /عبير عبده

صندوق الطين
في مدينة لا تظهر على أي خريطة،
تجلس امرأة كل صباح على حافة الزمن، أمامها صندوق صغير من الطين، تلفه بقطعة قماش رمادية، وعيناها تحدّقان فيه كأنها ترى ما لا يُرى.
مرّت سنوات، ولم تتغيّر.
الناس مرّوا، تغيروا، كبروا، وانشغلوا…
لكنها كانت هناك، بنفس السكون، بنفس الغموض،
تحمل صندوقها وكأن فيه شيء أعمق من الطين.
كان الأطفال يسألون:
“ليه الست دي قاعدة كده؟”
فترد الأمهات: “معاها حاجة.. بس محدش عارف هي إيه.”
لم تكن هي أول من جلس هناك.
قبلها بسنوات، كان يجلس رجل يُدعى “يوسف”، بنفس الطريقة، بنفس الصندوق،
وعندما سألته فتاة صغيرة ذات يوم:
انا مش بخاف من الطين
“ممكن أفتحه؟”
ردّ: “محدش بيخاف من الطين، الناس بتخاف من اللي ممكن يطلع منه.”
فتح لها الصندوق، وداخله كانت هناك قطع صغيرة من أشياء مكسورة:
زرار قديم، طرف سلسلة، نصف لعبة، وردة ناشفة، شظية مرآة، ورقة واحدة مكتوب عليها: “كان”.
قالت الفتاة: “دي حاجات بايظة!”
فأجاب يوسف:
“اللي انكسر جواك، لما تحتفظ بيه.. مش كنز، بس كمان مش زبالة.
ده شاهد إنك عشت، وإنك كنت كامل… ووقع منك شيء.”
ثم اختفى يوسف.
وكبرت الفتاة…
تحوّلت لامرأة، لكنها لم تنسَ ما رأت.
وصارت هي من تجلس كل صباح مكانه،
لكنها لم تكتفِ بحفظ البقايا.
بدأت تضيف.
كل يوم تكتب ورقة صغيرة وتضعها في صندوق الطين،
بجملة خافتة، شعور مكبوت، أو فكرة ما اكتملتش.
بقايا أشياء شعرت بها ولم تعرف كيف تصفها.
وفي يوم، جاءها شاب غريب الملامح، مرتبك، وقال:
“هو إنتي بتعملي إيه هنا؟ الناس بيقولوا عليكي مجنونة، بتكلمي صندوق!”
ابتسمت وقالت بهدوء:
“مش بكلمه… ده بيسمعني أكتر من الناس.”
ضحك بعدم اقتناع وقال:
“طب افتحيه.”
ففتحت الصندوق.
لكن هذه المرة…
ما كانش فيه طين وبقايا بس،
كان فيه نور خفيف خارج من بين الأوراق القديمة.
ولما اقترب، رأى شيئًا لم يتوقعه:
رسائل، مذكرات، حروف باكية، أسئلة بلا إجابات، وأصوات ناس اتكتمت جواهم الحكاية.
قال لها:
“أنا كنت فاكر الطين ده وسخ…
لكن اللي شُفته جواك خلاني أخاف من عيني، مش من الطين.”
فردت بابتسامةٍ خفيفة:
“الناس مش بتخاف من وجعهم…
الناس بتخاف يكتشفوا إنهم اتعودوا عليه.”
ومنذ ذلك اليوم، ما عادت تجلس وحدها.
صار يأتيها كل من شعر بثقل لا يُقال،
يكتب ورقته، يضيفها للصندوق،
حتى صار صندوق الطين… شاهدًا على الأرواح التي مرّت من هنا، ورفضت أن تُمحى.



