المقالات والسياسه والادب
ظاهرة الطلاق المبكر عندما تنهار البيوت قبل أن تُبنى

كتب: محمود جاب الله
ظاهرة الطلاق المبكر عندما تنهار البيوت قبل أن تُبنى
في السنوات الأولى من الزواج نسمع الخبر الذي صار متكرراً ومؤلماً: “طلقوا”. عرسان ما زالت صور فرحهم معلقة، وأطفال لم يكملوا عامهم الثاني، وقضايا تملأ أروقة المحاكم. لقد تحول الطلاق المبكر إلى ظاهرة تهدد نسيج المجتمع، فما الذي يحدث؟ ولماذا تنهار البيوت بهذه السرعة؟
السبب الأول هو أن كثيراً من الزيجات تُبنى على الورق لا على الفهم. نتزوج من أجل السن، ومن أجل كلام الناس، ومن أجل أن “الشقة جاهزة”. ندخل هذا البيت الكبير ونحن لا نعرف طباع بعضنا، ولا طريقة تفكير بعضنا، ولا كيف نتحمل عيوب بعضنا. نعيش شهر العسل ثم نصطدم بالواقع بكل تفاصيله المملة والمتعبة، فتكون الصدمة أكبر من طاقة التحمل.
ويأتي بعد ذلك دور السوشيال ميديا التي سرقت الرضا من قلوبنا. الفتاة ترى حياة غيرها على الشاشة فتقارن زوجها بزوج صديقتها. والشاب يرى صوراً مفلترة فيظن أن زوجته مقصرة. نسينا أننا نقارن كواليس بيوتنا بواجهة بيوت الآخرين، وأن لا أحد يعرض مشاكله على الملأ.
إلى جانب ذلك غابت لغة الحوار. أصبحنا لا نجيد الاختلاف. أول مشكلة نلجأ إلى الأهل، أو نكتم في صدورنا حتى ننفجر. الكلمة الطيبة اختفت، والعتاب تحول إلى تجريح، وسوء الظن سبق حسن النية.
ولا يمكن أن نغفل الضغط المادي. الغلاء كسر ظهر الكثيرين. الشاب الذي كان يحلم ببيت مستقر وجد نفسه أمام فواتير وإيجار ومصاريف، والزوجة التي كانت تحلم بالراحة وجدت نفسها في دوامة المسؤولية. وبدلاً من أن يكون الزوجان سنداً لبعضهما، صار كل منهما يلقي باللوم على الآخر.
أيضاً تدخل الأهل والأقارب بغير حكمة زاد الطين بلة. كلمة من هنا ونصيحة من هناك أشعلت بيوتاً كان يمكن أن تُطفأ بكلمة “معلش”.
فما العلاج؟ العلاج يبدأ قبل الزواج. نحتاج إلى تأهيل حقيقي للمقبلين على الزواج، نعلمهم فيه معنى المسؤولية وكيف تدار البيوت وكيف نعبر الخلافات دون أن نكسر بعضنا. نحتاج أن نعيد دور “الكبير” الحكيم الذي يلم الشمل ولا يزيد الفرقة. نحتاج أن نستر على بيوتنا، فليست كل مشكلة تستحق أن تُحكى، وليست كل زلة تستحق أن تُنشر.
والأهم أن نفهم أن الزواج ليس شهر عسل ممتد. هو مودة ورحمة وصبر. فيه أيام شدة وأيام رخاء. من يصبر معك في الشدة هو شريك العمر الحقيقي.


