علمتني آية

علمتني آية
كتبت ا. سبيله صبح
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾
جلست يومًا أفكر في العالم من حولي، ففوجئت بأن دائرة من حولي قد ضاقت كثيرًا.
لم أعد أُكلم الكثيرين، وقطعت علاقاتي بالعديد منهم. توقفت طويلًا أفتش عن السبب، لا لأُدين أحدًا، بل لأفهم نفسي.
فاكتشفت أن فلانًا كان يكلمني لمصلحته، فلما انتهت مصلحته ابتعد، وبحث عن غيري يقضي له حاجته.
وأن فلانة كانت تنتظر مروري فقط لتقذفني بوابل من الكلمات القاسية، دون ذنب اقترفته في حقها، فآثرت الابتعاد عنها دون جدال أو عتاب.
وأخرى ما زالت تؤذيني بلا سبب، فوجدت أن العزلة أرحم من دوام الأذى.
تتابعت الوجوه والمواقف، حتى شعرت بضيقٍ شديد، وتسلل شيء من الكره إلى قلبي، وقلت في نفسي:
العزلة خير من هؤلاء.
وبينما أنا غارقة في هذا الشعور، سمعت قارئًا يرتل قول الله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾
توقفت… وكأن الآية خُصصت لي في تلك اللحظة.
أخذ عقلي يتدبرها، وقلبي يتفكر في معناها، فبحثت عن تفسيرها، فوجدت أنها تشير إلى قِصر مدة المكث في الحياة الدنيا مهما طالت.
فعندما تُقارن بالآخرة، لا يبقى للدنيا وزن ولا اعتبار؛ سنشعر هناك أننا لم نلبث إلا ساعة من نهار، وجاء التعبير بالنهار لأنه سريع الزوال.
أما قوله تعالى: ﴿يتعارفون بينهم﴾، فليس تعارف مودة أو حب، بل هو تعارف دهشة وعتاب، تعارف توبيخ ولوم،
كما قال الله تعالى:
﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُكْبِرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾
وهنا أدركت المغزى العميق من الآية الكريمة:
تحذير من الاغترار بالدنيا، وتذكير بأن الحياة قصيرة، فلا ينبغي أن تُستهلك أعمارنا في خصومات، ولا أن تُستنزف قلوبنا في أذى الناس.
علّمتني الآية أن أُصغّر الدنيا في عيني، وأن أجعل همّي الآخرة،
وأن أدرك أن ما مضى من عمري ـ بكل ما فيه من علاقات وأوجاع ـ لم يكن إلا لحظة عابرة،
وأن الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا عند لقاء الله، حيث تتجلى حقارة الدنيا أمام حساب الآخرة،
وتنكشف الأيام على حقيقتها: مجرد ساعة… ثم الوقوف بين يدي الله.
وفي النهاية….. أدركت أن الله لم يخلق القلوب لتُستهلك في الخصومات، ولا الأعمار لتُهدر في الحزن على من لا يقدّرون.
وأن ما يؤلمنا اليوم، سننظر إليه غدًا فنراه أقل من ساعةٍ من نهار. فوجدت أنني استزفت طاقتي وضاق صدري بأناس وأشياء لا تستحق إهدار الوقت معها، والأولي بنا أن ننشغل بالعبادة بدلًا من ضيق الصدور
فطوبى لمن صفّى قلبه قبل أن يُحاسَب،
وطوبى لمن خفّف تعلقه بالدنيا قبل أن تُسحب من بين يديه،
وطوبى لمن جعل لقاء الله أعظم همه، فلم تُثقله ضغائن البشر ولا خذلانهم.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا،
واجعلنا ممن إذا ضاقت بهم الحياة، اتسعت قلوبهم بك،
وإذا خذلهم الخلق، لم يخذلهم الرجاء فيك،
وإذا وقفوا يوم الحشر، وقفوا بقلوبٍ سليمة،
وقد علموا حقًا أن الدنيا لم تكن إلا ساعة من نهار.



