على حافة اليقين

على حافة اليقين
بقلم… هدى عبده
المطرُ يطرقُ نافذتي
كما يطرقُ الحنينُ أبوابَ قلبي.
كل قطرةٍ،
رسالة من غيابك،
وكل ارتطام على الزجاج
اعترافٌ لا أملكُ سواه.
أنتِ…
طيفٌ يعبرُني
كغيمةٍ بيضاءَ في ليلٍ مظلم،
تقتربين…
ثم تبتعدين،
تتركين خلفكِ ارتجافَ قلبي
وأصابعَ خائبة
تبحثُ عن دفئكِ ولا تجده.
ابتسامتكِ…
كم كانت قاسية!
لم تُنبت في داخلي فرحًا،
بل حفرتْ جرحًا آخر
يزرعُ الصمتَ بيننا.
مددتُ لكِ مقعدًا من أمان،
فرفضتِ،
كأن حضني غربة،
كأن حنيني ريحٌ مجهولة.
تاركةً لي ورقةً صغيرة
كوصيةٍ مبتورة،
كعتابٍ بلا ملامح.
لم أجرؤ على قراءتها،
خفتُ أن ينطق الحرفُ
بما كنتُ أعرفه مسبقًا:
أنكِ راحلة.
أشعلتُ سيجارتي،
نفختُ الدخانَ في وجه المطر،
ورأيتُ نفسي بركانًا مكبوتًا
يتفتتُ في داخله الحجر.
أحرقتُ الورقة،
تحولتْ رمادًا،
كما تحولتَ أنتِ في صدري:
حبًّا أسود
لا يملكُ حياةً أخرى.
وحين هدأت العاصفة،
جاء الفجرُ كغفرانٍ متأخر،
غسلتُ وجهي بنوره،
وأيقنتُ أنّي أستطيع
أن أُولَد من جديد…
لكني ما زلتُ أسمعكِ،
بعيدًا قريبًا،
كأنكِ تهمسين:
“أكاد أشك في نفسي…
أكاد أشك فيك…”
فأرتجفُ،
كمن يحمل قلبه بين كفيه،
لا يدري:
أيلقيه في هاوية الشك؟
أم يرفعه إلى فضاء الحب؟
يا ليل،
قل لها إنني ما زلتُ أنتظر،
ويا مطر،
بلغها أن كل قطرةٍ منك
هي نبضٌ من دمي.
فإن عادت…
أزهرَ العمرُ في كفي.
وإن رحلت…
سأبقى هنا،
أحملها في داخلي
كجرحٍ نبيل،
لا يندمل،
ولا أمحيه.



