المقالات والسياسه والادب
علّمتني آية كتبت ا. سبيله صبح

علّمتني آية
﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾
في وسط تقلبات الحياة يمر الإنسان بتجارب عديدة قاسية، قد تكون فقد أشخاص، أو فرص، أو أحلام ظنّ أنها لن تعوَّض. إلا أن هذه الآية الكريمة تحمل رسالة طمأنينة عميقة، مفادها أننا ينبغي أن لا نأخذ الأمور على ظاهرها ، فلعل الخير يكمن في الشر، والله عز وجل لا يأخذ بظاهر الأمور ولا بما يُظهره الأشخاص، بل بما في القلوب.
علمتني الآية الكريمة…. أن الثقة واليقين المطلق في قضاء الله والرضا التام بما يحل بنا من آلام وأوجاع، لابد له من حكمة وإن كنا لا نستطيع فهمها أو التوصل إليها في حينها.
ولعل في قصة أم سلمة رضي الله عنها عندما مات زوجها أبو سلمة أكبر عبرة وعظة، ودليل على أن من صدق يقينه، عظم أجره، فقد تزوّجت أم سلمة من الصحابي الجليل أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان زوجًا صالحًا محبًّا، وهاجرا، وجاهدا معًا ،
حتى أُصيب أبو سلمة بجراح في غزوة أُحد، ظلّ يعاني منها فترة طويلة، إلى أن توفّاه الله.
وكان لفقده أثرًا وألمًا عظيمًا على أم سلمة، فقد رحل زوجها وتركها مع أطفالها، في وقتٍ كانت فيه الحياة قاسية والظروف صعبة. لكن النبي ﷺ علّمها دعاءً عظيمًا يقال عند المصيبة: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها».
تردّدت أم سلمة أولًا وهي تدعو وقالت في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟
لكنها امتثلت لأمر النبي ﷺ، وقالت الدعاء بقلبٍ صابر، مؤمن بأن الله لا يخيّب من توكّل عليه.
ومرّت الأيام، حتى جاءها أعظم العوض؛ إذ خطبها رسول الله ﷺ وتزوّجها، فصارت أمًّا للمؤمنين، وجعل الله لها مكانة عظيمة في الإسلام، بعد أن ظنّت أن فقد زوجها لا يُعوّض.
قصة أم سلمة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل رسالة خالدة لكل من فقد عزيزًا أو كُسر قلبه؛ أو سُلب منه شئ بعد العطاء، أن الصبر ليس ضعفًا، وأن الدعاء ليس كلمات، بل بابًا للعوض، وأن الله إذا أخذ شيئًا، أعطى خيرًا منه، ولو بعد حين.
كما تؤكد الآية…… أن العطاء الإلهي هو الخير الكامن في القلب؛ يؤكده نية صادقة، وصبر، وإيمان، وتسليم. فما يُؤخذ من الإنسان ليس بالضرورة خسارة، بل قد يكون تمهيدًا لعطاء أعظم، قد لا يأتي بالشكل نفسه، لكنه يكون أنقى أثرًا وأدوم نفعًا.
كذلك توضح الآية… عدل الله ورحمته، حيث لا يضيع عنده شيء، ولا يُحرم صاحب القلب الطيب من العوض. فكل ألم يمرّ به الإنسان وهو ثابت على الخير، يقابله عطاء يعادل صبره أو يفوقه، في وقت يعلمه الله وحده.
إن هذه الآية…. تزرع في النفس الثقة، وتعيد ترتيب مفهوم الفقد، فليس كل ما يُؤخذ شرًّا، وليس كل تأخير حرمانًا. أحيانًا
يكون الأخذ حماية، ويكون العوض رحمة، و لا يكون الخير إلا فيما اختاره الله لا فيما اختاره الإنسان لنفسه.
وهنا تتضح الرسالة العظمي….. أن من أصلح قلبه، أصلح الله له دنياه، وأعطاه خيرًا مما ظن أنه فُقد إلى الأبد.



