منوعات
عنوان المقال بين الأمس واليوم من سادة يُدفع لهم الجزية إلى أنظمة تدفع ثمن الحماية

بقلم: محمود سعيد برغش
عنوان المقال بين الأمس واليوم… من سادة يُدفع لهم الجزية إلى أنظمة تدفع ثمن الحماية
كان التاريخ يومًا ينحني أمام هيبة الدولة الإسلامية، وكانت الأمم تُقبل صاغرة لتدفع الجزية إلى الخلفاء، لا خنوعًا فقط، بل احترامًا لقوة دولة العدل، ومكانة أمة لا تُهزم. لم يكن أحدٌ يجرؤ على تجاهل صوت المسلمين، ولا على تجاهل سلطانهم في الأرض، إذ كانت قراراتهم تمرّ عبر بغداد ودمشق وقرطبة، قبل أن تصل إلى روما أو باريس.
أما اليوم، فقد انقلبت الصورة، فباتت بعض الأنظمة العربية ترسل الأموال إلى الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة، ليس لتبادل المصالح المتكافئة، بل لضمان الحماية، وشراء رضا لا يأتي مجانًا. ومع كل زيارة لرئيس أمريكي، تُفتح الخزائن، وتُوقّع الصفقات، وتُعقد “شراكات استراتيجية” ظاهرها التعاون وباطنها التبعية.
في عام 2017، أثناء زيارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، تم الإعلان عن صفقات وصلت قيمتها إلى أكثر من 400 مليار دولار، بينها 110 مليارات للأسلحة وحدها. وتفاخر ترامب حينها قائلاً: “لقد حصلنا على أموال كثيرة، ووظائف كثيرة”.
وبالمثل، ضخت دولة الإمارات استثمارات تجاوزت 50 مليار دولار داخل أمريكا خلال الأعوام الماضية، تحت بند تطوير الشراكة الاقتصادية، دون أن نرى أثرًا واضحًا لهذه الاستثمارات في دعم التنمية العربية أو تحسين أوضاع المواطن الخليجي.
قطر كذلك موّلت قاعدة العديد العسكرية، كبرى القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، وأبرمت صفقات دفاعية ضخمة، تعزز من الحضور الأمريكي في المنطقة لا منعتها الذاتية.
الواقع السياسي والاقتصادي اليوم يطرح هذا السؤال بقوة: هل ما يجري هو تبادل مصالح متساوية بين دول ذات سيادة، أم أننا أمام شكل حديث من أشكال “الجزية” التي تُدفع للدولة الأقوى، مقابل البقاء في الحكم، أو لضمان صمت واشنطن إزاء ملفات حقوقية وسياسية داخلية؟
في الماضي، كانت الجزية تُدفع للمسلمين، وكان المسلمون سادة القرار والهيمنة، واليوم تُدفع الأموال من حكام العرب إلى الغرب، طلبًا للرضا، وتجنّبًا للغضب، وكأن ما تغيّر ليس الزمن فقط، بل الكرامة والمكانة.
ما بين دولٍ كانت تُخضع الممالك وتُقرّر مصائر الأمم، إلى أنظمة تدفع المليارات مقابل أمن زائف، فُقدت السيادة، وضاعت معالم العزّة. لسنا ضد الاستثمار أو التعاون، بل ضد التبعية وفقدان القرار. ويبقى السؤال مفتوحًا: متى ننهض من غفلتنا، ونعود كما كنا… أمةً يُحسب لها الحساب؟
—




