المقالات والسياسه والادب
عيشة قنديشة بقلم / شاميه كساب

قنديشه اسطوره مغربيه مشهوره هي اسطوره من الماضي ( و لا يوجد اسطوره الا اذا كان بها جزء من الحقيقه ) ، هى جزء من الذاكرة الجماعية التي تمر عبر الأجيال مصحوبة بالخوف والفضول ، هي أكثر شخصيات الفلكلور المغربي غموضاً ورعباً، وتتراوح بين أسطورة جنية حسناء بأرجل ماعز تغوي الرجال لقتلهم، وبين قصة حقيقية لامرأة أندلسية نبيلة قاومت الاحتلال البرتغالي بذكاء. تُعرف بـ”سيدة المستنقعات”، وتتجسد أسرارها في الرعب النفسي، الإغواء، وقوتها الخارقة.
يصفونها بأنها عشيقة الجن والموت ، تشير الروايات إلى أنها لا تقتل ضحاياها فقط، بل تمارس الجنس معهم وتتغذى على دمائهم، وتترك من ينجو منها مجنوناً أو ممسوساً.
تقول الأسطورة أن عيشة قنديشة تخاف من شيء واحد فقط، وهو اشتعال النار أمامها.
الرواية التاريخية المرعبة تقول إنها امرأة موريسكية نبيلة، طردت عائلتها من الأندلس، انتقمت بذكاء من الجنود البرتغاليين، حيث استدرجتهم ليلًا وقتلتهم في الوديان، مما جعلهم يرتعدون خوفاً منها
مرت السنوات وتبدلت الأجيال، لكن اسمها ظل حاضراً.. لا يُقال “عيشة قنديشة” بشكل مباشر، بل يُستعاض عنها بلقب “مولات الواد” أو “لالة عيشة” احتراماً وخوفاً. وتتناقل النسوة حكايات عن رجال سمعوا أصواتاً في الليل تُناديهم بأسمائهم، وعن أغنام اختفت فجأة من الحقول، وعن أُناس كانوا يُحذِّرون ثم اختفوا دون أثر.
في بعض القرى المغربية، وقبل أن تسكن الكهرباء أزقة الطين، كان الأطفال يُمنَعون من اللعب بعد غروب الشمس، وكان الرجال يَتجنَّبون الطرق الخالية والمزارع المنعزلة مع حلول الليل. لم تَكُن هذه الحيطة خوفاً من لص أو ذئب، بل من شيء آخر.. شيء لا يُذكَر اسمه بصوت مرتفع. كانوا يقولون ( لا تنطق إسمها بصوت مرتفع)
في الروايات الشعبية لم تَكُن عيشة قنديشة امرأة عادية. البعض يقول أنها “جنِّية” وآخرون يزعمون أنها بشرية تحالفت مع قوى خارقة، لكنها في كل الحالات تُوصَف بأنها امرأة فاتنة الجمال، ترتدي اللباس التقليدي المغربي، وتُخفي قدميها باستمرار لأن من يراها يُصاب بالهلع… إذ يُقال أن قدميها ليستا بشريتين، بل قدما ماعز أو حافِر جمل.
كان يُقال أنها تظهر ليلاً على أطراف الطرق وبالقرب من الأنهار والحقول والخرائب القديمة.. تتجول وحدها في صمت. وإذا صادفت رجلاً فإنها تبتسم له وتُناديه بصوت خافت. كان جمالها مُغري وصوتها ناعم، ولكن من يقترب منها لا يعود كما كان.. البعض يختفي والبعض الآخر يعود إلى بيته بأعين شاردة وكلمات مبعثرة، وكأنهم فقدوا شيئاً من عقولهم… ويقول أهل القرى أنهم “تشبَّعوا بالرّوح”.
البعض يؤمن بأنها كانت في الأصل امرأة حقيقية عاشت في القرن الخامس عشر وقادت مقاومه مسلحه ضد الاستعمار البرتغالي في السواحل المغربية.. كانت شجاعة وذكية وجميلة، حتى أن أعداءها أطلقوا عليها لقب (الكونتيسا) وهو ما تحول لاحقاً إلى “قنديشة” بلهجة محلية. لكن حين اختفت فجأة من التاريخ بدأت الأساطير تنمو حولها، وتحولت من بطلة مـقاومـة إلى جنِّية تُخِيف الرجال.
في بعض القصص يقال أن هناك من حاول استحضارها عبر طقوس خاصة باستخدام البخور و الدماء والتعـاويذ.. لكنهم لم يُكمِلوا الطقوس، أو أصابهم شيء ما لا يُروى. أحلام مزعجة، أصوات غريبة في الليل، خيالات تمر من أمام المرايا، وحتى نيران اشتعلت في البيوت بدون سبب واضح.
ورغم أن هذه القصة تُروى في بعض المجتمعات كحكاية شعبية أو وسيلة لتخويف الأطفال إلا أنها لا تزال حية.
وفي النهاية تبقى “عيشة قنديشة” لغزاً مُعلَّقاً بين الواقع والخيال.. لا أحد يملك الدليل على وجودها ولا أحد يستطيع نفيها تماماً. هي تلك الحكاية التي تُروى على ضوء الشموع وتُبقِيك منتبهاً لكل خطوة تخطوها في الظلام.. تَحسُّباً لا اكثر



