المقالات والسياسه والادب

غزة حين تتحول الأرض إلى مدينة المجاعة

 

صفاء مصطفى…الكنانة نيوز

 

غزة اليوم لم تعد مجرد جغرافيا محاصرة أو خبر عاجل يمر في نشرات الأخبار، بل أصبحت عنوانًا لمأساة إنسانية تهز الضمير العالمي. فبعد شهور طويلة من الحصار والقصف والدمار، أعلنت المنظمات الدولية أن غزة دخلت رسميا مرحلة المجاعة، لتصبح المدينة الأولى في الشرق الأوسط التي توصف بهذا الوصف القاتل. الإعلان لم يكن مفاجئًا للمتابعين، لكنه جاء صادمًا لأنه يقر بحقيقة أن مليونين ونصف إنسان أصبحوا في مواجهة الجوع والموت، في القرن الواحد والعشرين، أمام صمت دولي رهيب.

 

 

 

الحصار المفروض على غزة منذ سنوات اشتد قسوته في الأشهر الأخيرة، إذ توقفت سبل الحياة تقريبًا. المواد الغذائية لا تصل إلا بشق الأنفس، والماء النظيف نادر، والكهرباء شبه معدومة. المزارع دُمّرت، والمصانع أغلقت، حتى البحر الذي كان ملاذًا لبعض الصيادين أصبح محاصرًا بالنار. ومع قلة المساعدات التي تدخل عبر المعابر، لم يعد أمام الناس سوى مواجهة الجوع القاتل بانتظار معجزة.

 

 

التقارير الأممية تشير إلى أن أكثر من نصف مليون إنسان في غزة يعيشون في حالة “انعدام غذائي كارثي”، وهي أعلى درجات التصنيف قبل الموت الجماعي. عشرات الآلاف من الأطفال يعانون سوء التغذية الحاد، وأجسادهم الصغيرة لا تقوى على الصمود. المستشفيات تحولت إلى مشاهد موجعة: أطفال يصرخون من الألم، مرضى يحتاجون إلى الغذاء أكثر من الدواء، وأطباء يرفعون أيديهم إلى السماء بعدما نفدت الإمكانات.

 

 

الناس في غزة يحكون قصصًا تفطر القلب. أم تقول إنها تضطر لإعطاء طفلَيها كوب ماء بالسكر فقط لتهدئة جوعهما. أب يبحث يومًا كاملًا عن ربطة خبز فلا يجد. أطفال يجمعون الأعشاب البرية من الطرقات ليطبخوها كوجبة تسد الرمق. إنها مشاهد تعيد للأذهان عصورًا كنا نظن أنها ولّت، لكنها تعود اليوم في غزة بأبشع صورة

 

المجاعة في غزة لم تكن نتيجة جفاف أو كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة للحصار والعدوان. إنها مجاعة “مصنوعة”، فرضتها قرارات سياسية وعسكرية حرمت الناس من أبسط حقوقهم: الغذاء والماء. ما يحدث اليوم هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية، التي تجرّم استخدام الجوع كسلاح حرب، ومع ذلك يحدث كل هذا على مرأى ومسمع العالم.

 

 

المنظمات الإنسانية تطلق صرخات استغاثة يوميًا، وتؤكد أن ما يدخل من مساعدات لا يتجاوز 10% مما تحتاجه غزة للبقاء. عشرات الشاحنات تقف على الحدود، لكن الحواجز والقيود تمنع وصولها. وبينما تعلن بعض الدول عن تقديم مساعدات عاجلة، يبقى السؤال: متى ستصل؟ 

وهل ستكفي لإنقاذ مئات الآلاف الذين يواجهون الموت جوعًا؟

 

 

اليوم لم يعد الصمت مبررًا. الصور والفيديوهات التي تخرج من غزة لا تحتمل التأويل: أطفال نحيفون ينهارون بين أيدي أمهاتهم، رجال يبحثون عن لقمة، عائلات تفترش الأرض بانتظار كيس دقيق. إنها شهادة على عجز العالم عن حماية أبسط حقوق الإنسان.

 

 

غزة مدينة المجاعة ليست مجرد عنوان في تقرير أممي، بل جرح مفتوح في قلب الإنسانية. مأساة بهذا الحجم لا تُحل بالبيانات ولا بالتصريحات، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية لإنهاء الحصار ووقف العدوان والسماح بدخول الغذاء والدواء فورًا. فالجوع في غزة لم يعد أزمة إنسانية فقط، بل أصبح وصمة عار على جبين العالم كله.

 

 

مقالات ذات صلة